فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 746

مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقًا في نفس الأمر [1] ، علمًا بأن المجاز بالأسلوب الذي يريده أركون أبعد بكثير من المجاز الذي حدث فيه الخلاف بين المسلمين والذي قال فيه الشنقيطي إن وروده في القرآن غير صحيح ولا دليل يوجب الرجوع إليه من نقل ولا عقل، ونحن ننزه القرآن على أن نقول فيه مجاز بل نقول كله حقائق [2] .

ونقل الشنقيطي عن عدد من العلماء عدم جواز المجاز في اللغة أصلًا فضلًا عن القرآن، وهو -أي الشنقيطي -ممن يرى هذا، وأركون لا يرى أن آيات الأحكام هي المجاز، ولا آيات الصفات كما قال بعض السابقين المخالفين لأهل السنة، لكنه يرى كل القرآن مجازات عالية، ومرة يقول متعالية أي تكون بعيدة عن المجتمع سياسة واقتصادًا واجتماعًا، إنما تهذيب روحي لا علاقة له بالدنيا.

وليس هذا مكان الحديث عن المجاز ولا الخلاف فيه. لكن جاء بمناسبة خلط أركون وتناقضه، إذ يقول: القرآن حقائق نزلت قديمًا ثم يرجع ويقول مجازات عالية. إن أركون يهدم كل شيء ولا يقيمك على سنن ولا يثق بأحد ولا بعلم أحد، فهو يسخر من كل من سبقه حتى يسخر من الطبري ومن طريقته في التفسير. ومادام قد اجترأ على كتاب الله وسنة رسوله كل هذه الجرأة فماذا يتوقع القارئ عن غيرها. وهناك جوانب عديدة يستنكرها كقضايا الثواب والعقاب والبعث بعد الموت [3] . ويرى في آيات القرآن التي تحدثت عن الجنة وثوابها سياقات شعرية، وأيضًا يرى رمزية العذاب.

خلاصة:

يرى أركون أن القرآن والكتب السابقة تعاني من سياق واحد، ويضع القرآن مع الأناجيل في مستوى من الثبوت والدراسة واحد، ويرى أهمية النقد والتجديد. وعمله هذا النقدي السلبي النافي -الذي يمسخ كل الحقائق وكل المعاني -لا يمكن بحال أن يكون مذهبًا فكريًا بديلًا، بحيث يحل محل شيء من الفرق أو الجماعات التي وجدت على الساحة الإسلامية وليس بأسلوب يمكن قبوله من قبل السنة أو الشيعة، ذلك أنه يلغي الجميع ويرى العدمية [4] التي يقدمها هي البديل أو التجديد، فالشك والجحود بكل شيء لن يكون أبدًا بديلًا للإيمان، إذ هذا العدم لا يكون دينًا ولا يبني خلقًا، وهو يرى -مع هذا -ضرورة النظام في حياة الناس ويرى أهمية القوانين وهذه القوانين عنده تنشئها الضرورة الاجتماعية، لكن أي مجتمع وأية قوانين؟ أما المجتمع فلا يرى أركون أن يكون للإسلام سلطة عليه؛ لذا فليس للإسلام أن يسن أي قانون في ذلك المجتمع إذ ليس للإسلام في نظره أي قانون ولا علاقة بالوجود، وهو قد بذل وعصر كل سمومه وآفات الملحدين في الغرب لينكر المصادر أولًا ثم لو افترض إثباتها فليس لها حقائق ولا معاني تمس الناس، ثم إذا فهم منها معاني فتلك المعاني جاءت للحاجة والضرورة؛ لأنه لم يكن هناك قوانين في المجتمع. وقد علق أحدهم على نمط تفكير أركون وأسلوب تعامله مع النصوص فقال: إن تجديدية أركون هي تجديدية عدمية ولا نحسب أن مسلمًا عاقلًا يهتم لقراءة أركون النافية وهذا ملخص لبحث مطول يتناول كتب ومقالات أركون، ومع أن أعماله غير معقولة لكن -ويا للأسف! - إن الذي يتحكم في

(1) الشنقيطي، منع جواز المجاز، ص 51.

(2) للتوسع يراجع الفصل الأخير من كتابه"الإسلام أصالة وممارسة"ترجمة د. خليل أحمد، وأيضًا مواضع متعددة من"الفكر الإسلامي قراءة علمية".

(3) رضوان السيد، الإسلام المعاصر، ص 190.

(4) رضوان السيد، الإسلام المعاصر، ص 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت