فهرس الكتاب
فهو ألمح إلى القول الأول الذي يفيد بأن قابيل قتل أخاه هابيل بسبب المرأة فقررا أن يتقربا إلى الله بقربان فمن تقبل منه كانت المرأة من نصيبه فتقبل من هابيل ولم يُتقبل من قابيل، فقام قابيل بقتل هابيل.
والقول الثاني الذي لم يذكره الحمد هو أنهما قررا أن يقوما بتقديم قربان إلى الله ـ عز وجل ـ فعمد قابيل إلى أسوأ ماله فقدمه قربانًا، وعمد هابيل إلى أحسن ماله فقدمه، فتقبل منه ولم يتقبل من أخاه قابيل، فحسده قابيل وقام بقتله.
وفي هذا يقول ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ: (عن ابن عباس قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا: لو قربنا قربانًا! وكان الرجل إذا قرب قربانًا فرضيه الله عز وجل أرسل إليه نارًا فأكلته، وإن لم يكن رضيه خبت النار، فقربا قربانًا. وكان أحدهما راعيًا وكان الآخر حراثًا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها. وقرب الآخر أبغض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع. وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقبل منك ورد عليّ؟ فلا والله لاتنظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني فقال: لأقتلنك! فقال أخوه: ماذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين) [1] .
قلت: فهذا القول الثاني لم يشر إليه الحمد هو الذي يشهد له القرآن العظيم عندما تحدث عن قصة ابني آدم حيث قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لاَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لاَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ
(1) تفسير الطبري (10/ 203 شاكر) .