فهرس الكتاب
ذلك، لأن الهَرَم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكره، كقوله: (والعصر، إن الإنسان لفي خُسرٍ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) [1] " [2] ."
قلت: فتأمل قوله ما أحسنه، وهو رد مفحم على هويدي بنفس الآية التي احتج بها على بدعته! ولكنه شابه اليهود بإخفاء آخرها.
أما احتجاج هويدي بقوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) [3] ، وقوله (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) [4] ، وقوله (فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [5] فهو من أعجب العجب، لأن هذه الآيات واردة في آدم -عليه السلام- وأن الله قد كرمه باسجاد الملائكة له، فما دخل (تكريم) الكفار بهذا!؟ وهل يلزم من تكريم أبينا آدم -عليه السلام- أن يكون جميع أبنائه -مسلمهم وكافرهم- مكرَّمين!؟ لا يقول هذا عاقل، لأن ابن آدم لصلبه عندما قتل أخاه لحقه من الذم ما لحقه، وقال فيه صلى الله عليه وسلم:"لا تُقْتل نفس ظُلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل" [6] .
فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد قال هذا عن ابن آدم لصلبه، فما حال أبنائه الآخرين ممن بدَّل وأعرض عن الهدى؟
قلت: ما سبق كان ردًا على الشبهة الأولى التي احتج بها هويدي، وبقي في نقضها أن يقال:
1 -ما قول هويدي في آيات (الإهانة) للكافرين والمعرضين، وكيف يوفق بينها وبين هذا (التكريم) المزعوم للجميع الذي يراه هويدي؟
فقد وردت عدة آيات تدل على أن الله قد أهان الكفار وأذلهم ولم يكرمهم سواء في الدنيا أم في الآخرة، فمن ذلك قوله تعالى: (ومن يُهن الله فما له من مُكرمٍ) [7] ، فدل على أن هناك من يهينه الله، فإذا أهانه لم يكن من (المكرمين) .
وقال تعالى عن بعض الكفار في الدنيا (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون) [8] .
وقال عنهم في الآخرة (اليوم تُجزن عذاب الهُون) [9] ، (فاليوم تُجزون عذاب الهُون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون) [10] ، (وللكافرين عذابٌ مُهين) [11] ، (ولهم عذابٌ مُهين) [12] ، (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مُهين) [13] ، (والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا فأولئك لهم عذابٌ مهين) [14] ، (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علمٍ ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مُهين) [15] ، (وإذا
(1) سورة العصر، الآيات: 1 - 3.
(2) تفسير ابن كثير (4/ 563) .
(3) سورة الأعراف، الآية: 11.
(4) سورة البقرة، الآية: 30.
(5) سورة الحجر، الآية: 29.
(6) أخرجه البخاري، ومسلم.
(7) سورة الحج، الآية: 18.
(8) سورة فصلت، الآية: 17.
(9) سورة الأنعام، الآية: 93.
(10) سورة الأحقاف، الآية: 20.
(11) سورة البقرة، الآية: 90.
(12) سورة آل عمران، الآية: 178.
(13) سورة النساء، الآية: 14.
(14) سورة الحج، الآية: 57.
(15) سورة لقمان، الآية: 6.