كأنه يقولها لك: لا تغرَّنك مقالة أبي محمد عبد الله بن قتيبة (ت 276 هـ) :"فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى"، من أجل أنها مقالة محدث سني ذي مكانة في باب علوم القرآن والسنة، فكل يؤخذ منه ويرد عليه خلا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وكلٌّ لا يتعبد بقوله من البشر خلا سيدهم المعصوم صلى الله عليه وسلم.
وكأني بالإمام ذاهب إلى أهمية أن يسبر القارئ المتلقي أغوار نفسه، وأن يفتش فيها، ويختبر طاقات التلقي عنده واستعدادها، وأن يقف على عوائق التلقي ما هو مزيل لها، حتى يكون الجدير بأن يكون الأرض النقية التي شربت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.
مفتاح مقالة الإمام أذانٌ في الناس بالعتق من أسر فاسد الموروث وسلطانه، وبشحذ العزم، والتحريض على الفعل، ويقولها لك إنك إن فعلت الأربعة التي دللتك عليها فانظر في هذه الصورة الشعرية: (( هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفًا إلا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها، أو حُسن ترتيب تكامل معه البيان حتى وصل المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن، وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد، وشيء داخَلَ المعاني المقصودة مداخلةَ الطفيليّ الذي يُستثقل مكانُه، والأجنبيّ الذي يُكره حضورُه، وسلامتِه من التقصير الذي يَفتقر معه السامع إلى تطلب زيادة بقيت في نفس المتكلم، فلم يدل عليها بلفظها الخاص بها، واعتمد دليلَ حالِ غير مُفصِح، أو نيابةَ مذكورِ ليس لتلك النيابة بمُسْتَصْلَح ) ) (1) .
كذلك يدلك الإمام على موطن السحر ومعدنه لتبلغه وتنقب عنه ثَمّ. وهو كما ترى يشير إلى الاستعارة أول ما يشير، على الرغم من أن موقعها في الصورة آخرها، وحسن الترتيب، والسلامة من الحشو المفسد، ومن التقصير في تمام الدلالة. تلك هي مجمل معادن السحر في الصورة عنده.
(1) الأسرار: ص22.