الصفحة 101 من 117

ثمَّ يبدأ الرحلة معك، لا يتركك تصل وحدك كما فعل معك في أبيات البحتري المادحة"الفتح بن خاقان"، إنه لك في هذه الرحلة يصاحب، وكأن جوّ هذه الرحلة المصورة قد مسَّه بسحره، فأراد أن يأخذ بأطراف الحديث بينك وبينه، في رحلة التلقي، مثلما فعل ركب الشاعر في رحلة القفول والأوبة إلى الأحبّة، يقول: (( أول ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال:"ولما قضينا من منى كل حاجة"، فعبر عن قضاء المناسك بأجمعها، والخروج من فروضها وسننها من طريق أمكنه أن يقصّر معه اللفظ، وهو طريق العموم ) ) (1) .

يصوِّر لك الإمام الأبيات بالمضيّف المقري، وأنت الضيف المكرَّم، فأول ما يتلقاك من قِرى الأبيات ذلك الإيجاز الآخذ بأعناق المعاني، الجامعها في قوله"كل حاجة"، وهو لم يقل لك"كل شيء"، وإنما"كل حاجة"، إذ هي حاجات حاملة الحجيج إلى تكبّد القدوم من بعيد إلى ذلك المكان المقدس (1) .

(1) يقف ابن جني عند قوله:"كل حاجة"، ويرى أن فيه: (( ما يفيد منه أهل النسيب والرقة وذوو الأهواء والمتعة مالا يفيده غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم، ألا ترى أنّ من حوائج"منى"أشياء كثيرة، غير ما الظاهر عليه والمعتاد فيه سواها؛ لأن منها التلاقي ومنها التشاكي ومنها التخلي، إلى غير ذلك مما هو تال له، ومقصود الكون به ) ). أعرض عبد القاهر عن هذا الذي ذكره ابن جني، وكأنه مستشعر نبوّه عن السياق، وكأن فيه إسقاطًا على حال الشاعر لا يأنس به السياق، وابن جني نفسه أدرك أن هذا وإن كان لدى آخرين، فإنه ليس من مراد الشاعر، ولذلك صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد عَرضه عليه بقوله في آخر البيت"ومسح…"أي: إنما كانت حوائجنا … من هذا النحو الذي هو مسح الأركان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت