والإمام لا يلفتك إلى اصطفاء"قضى"من دون"فرغنا"، ولا إلى تقديم"من منى"على المفعول"كل حاجة"، ولا إلى ما بين"من"و"منى"من التقارب النغمي، ولا إلى اختصاص"منى"بالذكر من دون غيرها. ومن وراء ذلك معانٍ عذاب.
فقوله:"قضينا"إيحاء بقوة الوفاء بحق ما قصدوا إليه وجاءوا من أجله، وأنه لم يك من وُكْدهم مجرد الفراغ، بل غايتهم الوفاء والإحكام والإتمام والقيام بحق كل ما هم في حاجة إليه، فإن الوفاء بكل ما جاءوا من أجله نابع من داخلهم لأنه حاجاتهم، وليس تكليفًا ألقي على عواتقهم يريدون الخلاص منه. والفعل"قضى"جاء في القرآن مسندًا إلى الخلق في مواضع عدّه منها: {فإذا قضيتم مناسككم …} [البقرة: 200] ، {فإذا قضيتم الصلاة} [النساء] ، {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} [يوسف] ، {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج] ، {فلما قضى موسى الأجل} [القصص] ، {فلما قضى زيد منها وطرًا} [الأحزاب] .
كل ذلك دال على معنى الوفاء والتمام والإحكام (1) ، وفي إيقاعه على"كل حاجة"دلالة بالغة على أن ما قضوا لم يك تكليفًا، بمقدار ما هو أمر ناشب بنفوسهم، هم في حاجة إليه، أي: في اضطرار إليه، يرون أنفسهم لا قيام لها بغير إحكام أمره وإتقانه وإنفاذه لجهته (2) .
(1) يقول أبو الحسين أحمد بن فارس: (( القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته ) ). معجم مقاييس اللغة (ق: ض: ي) .
(2) ويقول: (( الحاء والواو والجيم( أصل واحد وهو الاضطرار إلى الشيء السابق ) ). معجم مقاييس اللغة (ح:و:ج) .