وكأنه بذلك يشير إلى ما كان من ابن قتيبة، إذ قالها في معرض وجدانه الشعر أربعة أضرب، منه: ما حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته (كذا) لم تجد هناك فائدة في المعنى، وجعل منها هذه الصورة الشعرية (1) .
وعلى دربه سار بعض الشيء جماعة كابن طباطبا، وإنْ نص على أنّ ما فيها من معنى هو مستوفى على قدر مراد الشاعر (2) ، وهذه منه حميدة. وكذلك قدامة حين أورد هذه الأبيات في معرض نعت اللفظ السمح السهل المخرج الذي عليه رونق الفصاحة وإن خلت تلك الأبيات من سائر نعوت الشعر الأخرى (3) . فهو لا يرى فيها غير سماحة الألفاظ وسهولة مخرجها ورونق فصاحتها وخلوها من المتابعة، فكأنه يردد مقالة ابن قتيبة:"فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى". وغير هؤلاء الثلاثة كثير يدخلون في إشارة الإمام عبد القاهر.
الذي يعنينا هنا نهج عبد القاهر ونحوه في قراءة هذه الصورة وتلقيها وتحليلها وتأويلها:
فاتحة القول يطلب الإمام منك (ص22) أن تراجع فكرتك، وأنْ تشحذ بصيرتك، وأن تحسن التأمل، وأن تدع عنك التجوز في الرأي، كأنه يحرضك ويغريك بأنّ ما أنت مقدم عليه جد عظيم، وأنه أيضا جد ضنين بدره على من لا يحسن الغوص، وهو يطالبك بالتحرر من ربقة كل موروث، ويطالبك أن تقوم لهذه الصورة الشعرية حرًا غير مكبل بمقالة جاهلية: {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} [المائدة] ، {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف] . التحرر من ربقة فاسد الموروث، إن معتقدًا وإن فكرًا وإن ذوقًا، هو السبيل القوي إلى مراجعة الفكر، وشحذ البصيرة، وحسن التأمل، فبغيرها يكون كل فعل عقيمًا، وبها تكون كل حركة الولود الودود.
(1) الشعر والشعراء: 1/66.
(2) عيار الشعر، ت المانع: 136.
(3) نقد الشعر، ت خفاجي، سنة 1400: 74-77.