الصفحة 104 من 117

ولعل الإمام يتجاوب في قراءة الصورة الشعرية مع حال الشاعر في إبداعها، فلم يوف هذا المشهد حقه من القراءة. وكان حقه عليه أن يوفيه حقه، ولاسيما أن صنيع ابن جني في قراءته قد يوحي بأن في تصوير هذا المشهد ما يوحي بأن الشاعر في أمره هذا كان على درب ما يعهد عن بعض أهل الهوى في تلك المشاهد، مثل ما يروى من حال ابن أبي ربيعة. فأنت تسمع صدى ابن جني من قبل عبد القاهر يدوّي: (( ألا ترى أنَّ من"حوائج منى"أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه والمعتاد فيه سواه، لأن منها التلاقي ومنها التشاكي ومنها التخلي إلى غير ذلك مما هو تال له، ومعقود الكون به، وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه، وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت:"ومسَّح بالأركان من هو ماسح". أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي أنضيناها من هذا النحو، الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القربة من الله مجراه، أي لم يتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح ) ).

عبد القاهر طوى النظر، ولم يذكر إلا تنبيه الشاعر على طواف الوداع، الذي هو دليل المسير، الذي هو مقصوده من الشعر. طوى النظر وأنت ترى من وراء التضعيف في الفعل"مسّح"، وهذه"الباء"في"بالأركان"، وفي تعريف المسند إليه بالموصولية"ومن هو ماسح"، وهذه الجملة الاسمية في الصلة ـ ترى من وراء ذلك معان، هي من باب النظم والتصوير، اللذين هما مصراعا الفصاحة والبلاغة والبراعة والبيان (الأدبية/ الشعرية) لهذا البيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت