أترى أن في التضعيف ما يفيد أن المسح لم يكن من حاجة الشاعر من البيت الحرام؟ أترى في هذه"الباء"معنى لا يدل على التمكن والوفاء والاستيعاب؟ أترى المعنى في"ومسّح الأركان"كمثل"ومسَّح بالأركان"، ألا يستحضر هذا قول الله تعالى {وامسحوا برؤوسكم} ، ألا ترى معنى الإلصاق وهو المعنى الرئيس للباء والذي لا تفل منها أبدًا معنى حاضرًا في"بالأركان"؟ ألا ترى في هذا الجمع"الأركان"وما هو إلا ركنان؟ ألا ترى في هذا إشارة إلى أنهم وهم يمسحون"بالأركان"إنما هي الأحبة هنا مثلما يفعلون بديار الأحبة هناك الذين هم على عزم المسير إليهم؟ أيمكن أن نبصر إشارة إلى أن فعلهم هناك مع ديار الأحبة هو من جنس فعلهم هنا؟ هما فعلان من معدن واحد: معدن الطهر والفضيلة، ليس للشيطان في كلٍّ نصيب.
وفي قوله"من هو ماسح"معنى دال على أن المسح إنما هو أظهر حاله وأمكنه وأرسخه وأجدره بأن يعرف به ويذكر. وقد يحسب حاسب أن قوله هذا فيه إيماء بأن ذلك شأن بعضهم، والشاعر ليس منهم"من هو ماسح"، ولكن التضعيف في"مسَّح"، وزيادة باء التمكين، وتقديم المجرور، وجعل الصلة جملة اسمية، كل ذلك دال عن أن ذلك الفعل مشهد عظيم في وعي الشاعر، ولم يكن القصد الرئيس منه مجرد التنبيه على اقتراب المسير، الذي هو مقصود الشعر فحسب، فإنّ له عُلقة بالغة بقوله"قضينا كل حاجة"لابدّ من استحضار هذه الجملة التي هي صدر الجملة الشرطية، والتي بنى عليها"ومسَّح …"عطفًا على"قضينا".