وإذا ما كان عبد القاهر قد طوى القراءة والتلقي لجملة"ومسَّح بالأركان من هو ماسح"طيًّا يوحي بأن ذلك ليس هو مرمى القصد من الشاعر، فليكن شأنه كذلك في باب التلقي، فإنه ينهج النهج نفسه في قراءة البيت الثاني"وشُدَّت على دُهْم المهارى رحالنا …"، فلم يشر إلا إلى أنه: (( وصل بذكر مسح الأركان ما وليه من زمّ الركاب وركوب الركبان ) ) (1) . هكذا لا يرى في هذا المشهد إلا زمّ الركاب وركوب الركبان …
إن تجاوزت صنيع الإمام عبد القاهر، ونظرت ذلك المشهد، رأيته ذا منزلة عالية في رسم الصورة النفسية والحسية للركبان. ألا ترى تلك الحركة النشطة من الولدان والفتيان يجتهدون في شد الرحال على دهم المهارى. قوله"شدّت"في غاية التصوير لتلك الحركة المنبثقة من العناية بفعلهم، وذلك مصوِّر لحال نشاطهم وأريحيتهم لما يقومون به. وفي اختيار كلمة"دهم"دلالة على شدة هذه الإبل، فالأدهم من الإبل الشديد الورقة، وهو لون يشبه لون الرماد. والمهارى جمع مهرية، منسوبة إلى حيّ"مَهْرِيَّة بن حيدان": حي من أحياء العرب، وهي ذات شهرة بسرعة السير. فرحالهم مشدودة على إبل شديدة، سريعة السير.
وفي تقديم"الجار والمجرور"على المعمول"رحالنا"ما يفيد مناط العناية، وهو أن ركابهم شديدة سريعة العَدْو.
وفي قوله:"ولم ينظر الغادي الذي هو رائح"ما يفيد انشغال الركب بحالهم، وما هم مقدمون عليه، وما هم متطلعون إليه من لقيا حبيب، وما يفيده من كثرة الركاب، وشدة النشاط، وكثرة الحركة، وكل تلك الأحداث والمشاهد جمعها الشاعر في جملة الشرط، ورتّب عليها ما دلّ على استغراقهم في المسير ونشاطهم فيه وتلذذهم بهم واستشرافهم إلى غايته، فقال:"أخذنا بأطراف".
(1) الأسرار: ص22.