الصفحة 107 من 117

وعبد القاهر لم يقف عند الفعل"أخذنا"، ومقاربته للفعل"قضينا"، ذاك في صدر جملة الشرط، وهذا في جملة الجواب، وهما من معدن الدلالة على العناية والاهتمام، ففي الأخذ معنى التناول في عناية واهتمام، يقول أبو الحسين أحمد بن فارس: (( الهمزة والخاء والذال: أصل واحد تتفرع منه فروع متقاربة في المعنى، أمَّا"أخذ"فالأصل: حَوْزُ الشيء وَجَبْيُه وجمعُه ) ) (1) .

وقد جاء هذا الفعل"أخذ"في القرآن الكريم في مواطن عديدة منها: {خذوا ما آتيناكم بقوة …} [البقرة] ، {فأخذتكم الصاعقة …} [البقرة] ، {فأخذهم الله بذنوبهم …} [آل عمران] ، {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} [الأعراف] ، {ثم أخذتهم فكيف كان عقاب} [الرعد] ، {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم …} [القصص] ، {خذ الكتاب بقوة …} [مريم] ، {فخذها بقوة …} [الأعراف] ، {خذوه فغلوه} [الحاقة] ، {وما آتاكم الرسول فخذوه …} [الحشر] ، وغير ذلك جد كثير، وهو كما ترى دال على ما في هذا الفعل من القوة والتمكن والعناية والاهتمام.

وفي هذه"الباء"دلالةٌ تعاضِد دلالةَ"الأخذ"، وكان بملكه أن يقول"أخذنا أطراف الأحاديث". وعبد القاهر يشير إلى دلالة كلمة"الأطراف"قائلًا: (( دلَّ بلفظة"الأطراف"على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر، من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتظرِّفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس، وقوة النشاط، وفضل الاغتباط، كما توجبه أُلْفة الأصحاب وأَنَسةُ الأحباب، وكما يليق بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة، ورجا حسن الإياب، وتنسَّم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان ) ) (2) .

(1) معجم مقاييس اللغة (الهمزة، والخاء، والذال) .

(2) الأسرار: ص22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت