الإمام كما ترى ينفذ ببصيرته في كلمة"أطراف"، ويرى فيها المرآة العاكسة لما يعتمر في صدر الشاعر، وما يأخذ بحاله وحال رفاقه. يرى فيها تصويرًا لحال الرفاق في سفره الطويل، الذي يستشرفون به لقيا الأحبة، تكون نفوسهم ذات بهجة، تقبل على المحادثة، وتتسع الحياة وأحداثها وأخبارها، على نحو يحملهم إلى أن يأخذوا من كل حدث وخبر وحال بطرفه، فلا يجهزون عليه ولا يستوعبونه من كثرة ما يتوارد على نفوسهم المشرقة بذلك المسير.
ذلك شأن الرفاق في السفر الرغيب والمسعى الحبيب، ولا يفهم من هذا أن حديثهم ليس ذا اعتناء به ونشاط فيه، فيتعارض مع ما يدل عليه اصطفاء الفعل"أخذ"، وزيادة"الباء"في"بأطراف"، بل أخذهم ما يأخذونه من تلك الأحداث والأخبار والأحوال المتكاثرة عليهم هو أخذ نشاط واعتناء منبثق في نشاط نفوسهم وأريحيّة صدورهم بذلك المسعى، وأنه ليس تنقلًا في الحديث من سأم وملل، ولذلك جاء بقوله"بيننا"الدال على مجاذبة الحديث، ورغبة كل واحد من الركبان المشاركة فيه إرسالًا واستقبالًا.
فهذا المشهد"أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا"ذو دلالة بالغة على مزيد عنايتهم ونشاطهم وأريحية نفوسهم وانشراح صدورهم. وإذا قيل إن ذلك آتيهم من أنهم مقدمون على لقاء الأحبة، فإن عبد القاهر كان ذا فراسة بيانية عالية حين جعل مبعث نشاطهم وطيب نفوسهم ثلاثة أشياء: ألفة الأصحاب وأَنَسة الأحباب، وقضاء العبادة الشريفة ورجاء حسن الإياب، وتنسّم روائح الأحبة والأوطان واستماع التهاني والتحايا من الخلان والأخوان، هذه من الإمام بديعة. والثانية: (قضاء العبادة …) دال على الذي قلته في"ولمّا قضينا … من هو ماسح"، وأن هذا مصوِّر مزيدَ عنايتهم بالوفاء بحق تلك العبادة حقها.