الصفحة 109 من 117

وما ذكره الإمام من أن كلمة"الأطراف"دالة على"ما هو عادة المتظرِّفين من الإشارة والتلويح …"، فتلك التي أخذها وأخرها من مقالة ابن جني، على الرغم من أنه أعرض عن مقالته في البيت الأول. يقول ابن جني في هذا: (( وأما البيت الثاني، فإن فيه:"أخذنا بأطراف الأحاديث"، وفي هذا ما أذكره لتراه فتعجب ممن عجب منه ووضع من معناه، وذلك أنه لو قال:"أخذنا في أحاديثنا"، ونحو ذلك لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب، … وذلك أنه قد شاع عنهم واتسع في محاورتهم علو قدر الحديث من الأليفين، … فإذا كان قدر الحديث مرسلًا عندهم هذا، على ما ترى، فكيف به إذا قيده بقوله:"بأطراف الأحاديث"؟ وذلك أن في قوله:"أطراف الأحاديث"وحيًا خفيًا، ورمزًا حلوًا، ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبّون، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون من التعريض والتلويح والإيحاء دون التصريح، وذلك أحلى وأدمث وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفًا، ومصارحة وجهرًا ) ) (1) .

إذا ما كان عبد القاهر قد استجمع بصره في دلالة"أطراف"، ولم يمنح"أحاديث"ما تستحق من العناية، فإن ابن جني كان أكثر عدلًا ووفاء؛ وقف عند قيمة كلمة"أحاديث"، في سياق أهل النسيب أنه قد شاع واتسع في محاوراتهم علوّ قدر الحديث من الأليفين، فكلمة"حديث"في لسان الأحبة ومعجم بيانهم ذات دلالة غير التي هي لها في معجم بيان غيرهم. يريد ابن جني أن يقول: إن مجرد ذكر كلمة"أحاديث"في هذا البيت على افتراض أن الشاعر أوردها مرسلة غير مقيدة بكلمة"أطراف"، إنها وحدها تثير شجونًا، وتستدعي ذكريات، وتحرك مشاعر، يكبرها العشاق، وتخفق لها قلوبهم.

(1) الخصائص لابن جني: 1/220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت