الصفحة 20 من 45

أخرج الحافظ ابن عساكر رحمه الله بإسناده عن المفضل بن فضالة، عن أبيه قال:"استأذن قوم على عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، وهو شديد المرض، فدخلوا عليه فقال: إنكم دخلتم عليّ في حين إقبال آخرتي، وإدبار دنياي وإني تذكرت أرجى عمل لي فوجدته غزوة غزوتها في سبيل الله، وأنا خلو من هذه الأشياء فإياكم وأبوابنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها".اهـ

وأخرج الخطيب البغدادي رحمه الله في تاريخ بغداد 1/ 168، وأبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق، عن محمد بن الفضيل قال:"رأيت ابن المبارك في النوم فقلت: أي العمل وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه. قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم. قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة".اهـ [وانظر: سير أعلام النبلاء 8/ 419] .

وهذا أمر قد حكم الله فيه بإيضاح، وجاء بيانه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح .. قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96 ) ) [النساء] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره:"القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجة القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل الأعذار".اهـ [انظر: جامع العلوم والحكم ص468] .

فشتان شتان بين القاعدين، والقاعدين! شتان بين القاعدين للكفار كل مرصد، [1] وبين القاعدين عن ذلك بالتثبيط والصد! [2]

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ قال: (مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله) .. [متفق عليه] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (لا تستطيعونه) ، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: (لا تستطيعونه) ثم قال: (مثل

(1) وقد أمرهم الله بذلك فقال: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) [التوبة: 5] .

(2) وقد قال الله فيهم: (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [التوبة: 90] .. نسأل الله السلامة والعافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت