وفي حالة قولنا: (زيدًا ضربته) ، قال سيبويه بأن (زيدًا) نصب على فعل مضمر فكأنه قال:" (ضربت زيدًا ضربته) إلا أنهم لا يظهرون هذا الفعل هنا للاستغناء بتفسيره فالاسم ههنا مبني على هذا المضمر" [1] ، أي إضمار الفعل (ضربت) .
ويبدو للباحث أنّ تقديم المفعول به المنصوب في قولنا: (زيدًا ضربته) نوعٌ من أنواع العناية والاهتمام، وهو ما أشار إليه سيبويه في قوله:"كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم" [2] ، على الرغم من أنّ الاسم المنصوب ترتيبه بعد الفعل والفاعل لاقبلهما،"ويلزم من ذلك أنه لو أعيد ترتيب الكلمات على صورة أخرى غير التي هي عليه فصادف أن وافقت تلك الصورة ترتيبًا آخر له معنى ما غير الذي يقصده المتكلم فإنّ ذلك الترتيب يعد نسقًا" [3] ، آخر ويدل على معنى آخر، وقد صرح عبد القاهر بالصلة بين الترتيب والقصد في قوله:"وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعةٍ إن لم يقدم فيه ما قدّم ولم يؤخر فيه ما أخر وبدئ بالذي ثنى به أو ثنّى بالذي ثلّث به لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصنعة" [4] ،"وتقديم المفعول به مع (اشتغال الفعل بنصب ضميره) كثير في آي الكتاب العزيز وفيه معنى إضفاء الاهتمام والاختصاص على ذلك الاسم المنصوب" [5] ، ومنه قوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا - وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [6] .
وفي قوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} يدل على"أنّ علم الله محيط بكلِّ شيءٍ تفصيلًا وكان أهم الأشياء في هذا المقام إحاطة علمه بالأعمال كلها ... تفصيلًا لا يقبل الشك ولا الإخفاء" [7] .
وقوله تعالى:" {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} ، عطف خاص على عام للاهتمام بهذا الخاص" [8] .
(1) الكتاب، 1/ 81.
(2) المصدر نفسه 1/ 34.
(3) وصف اللغة العربية دلاليًا: 298.
(4) دلائل الإعجاز: 337.
(5) نحو المعاني، الدكتور أحمد عبد الستار الجواري: 88.
(6) سورة الإسراء، الآيتان: 12 - 13.
(7) تفسير التحرير والتنوير، 16/ 46.
(8) المصدر نفسه: 16/ 46.