الصفحة 59 من 208

المستوى الثاني للغة وهو المستوى الجمالي (البلاغي) الذي يكون ذا قيمة تعبيرية [1] ، وتنبيها على اسلوبية بنية التركيب النحوي في النص الابداعي لأن التركيب النحوي قبل كل شيء يمثل نظامًا فنيا متكاملًا وباختلاف بنيات التراكيب النحوية التي يقدمها النحو بأمكاناته الواسعة تتجلى لنا احتمالات الاوضاع الكلامية التي يرتبط بعضها ببعض" [2] ، بشرط"تحقيق التطابق بين التركيب والمقصود به" [3] ."

وان محاولة الخروج عن مثالية اللغة من خلال تغيير صور التراكيب لادراك المعنى من دون اخضاعها لمعيار الصحة النحوية والسلامة الاعرابية يجعل من التركيب النحوي غفلا يلفهُ الفساد والتعقيد فيختفي غرض المتكلم وراء فساده وتعقيده اللفظي فلا يدرك معناه الا بكد الفكر ومحاولة اعادة ترتيبه مرة اخرى لكي يستطيع ان يطابق بين شكله ومعناه.

وأول من ألمح الى ذلك سيبويه بقوله:"ويحتملون قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه لأنه مستقيم ليس فيه نقض فمن ذلك قوله:"

صددت فاطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم [4]

وانما الكلام، (وقل مايدوم وصال) " [5] ، إذ قدم (وصال) وهو الفاعل على فعله وهو (يدوم) لأن (قل) هنا مكفوفة عن عمل الرفع بـ (ما) فلا تعمل في الفاعل [6] ."

وهذا كما نرى نوع من التعقيد اللفظي الذي يمس الاداء الابداعي لأن الشاعر قد وضع بعض الكلمات في غير مواضعها المقبولة وظيفيا فلم تنهض بالسياق اللغوي ومن ثم لم تسهم في تحقيق السمة الفنية للنص. [7]

فنحن لانرى كلامًا قد وصف بالابداع والجمال او الضعف والفساد الا ونحن تحت مرجع ذلك الابداع وذلك الفساد الى"اتباع قواعد النحو والتزام قوانين الاعراب وعلى ماجرت به العادة" [8] ، ومن ذلك قول ابي تمام في وصف صلب بابك الخرّمي:

ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثانٍ اذ هما في الغار [9]

ويجب أن يقول: (ولم يكن لاثنين ثانيا) ، لأنه خبر يكن [10] .

لأن للنحو اثره الاساس في اداء الرسالة الاخبارية والابداعية ومن خلاله يتم"استغلال الطاقة الكامنة للغة ومحاولة استخلاص الامكانات المتاحة من هذه الطاقة" [11] والأسلوبية على وفق ذلك هي ابداع يربط بين التراكيب النحوية الصحيحة ومجموع عوامل أخرى تحيط بالمبدع وبالعمل الادبي او بغير العمل الادبي [12] . ونخلص من ذلك إلى أن الوصول إلى معاني الكلام يتم عن طريقين هما:

أولًا: الطريق المباشر:

ويمثل المستوى الاخباري (الا بلاغي) للغة اذ لايحتمل التأويل ويفهم معناه من ظاهر لفظه لان هدفه ايصال معلومة أو فكرة لايعلمها المتلقي، وهو يمثل اللغة المثالية التي تخضع لمعيارية القواعد النحوية التي تعكس الواقع، وبنية التركيب النحوي في هذا

(1) ينظر: دور الكلمة في اللغة: 103؛ والبلاغة والاسلوبية: 198؛ والنظم في المنظور النحوي والبلاغي، هدى محمد صالح الحديثي (اطروحة دكتوراه) : 82.

(2) ينظر: النظم في المنظور النحوي والبلاغي: 78.

(3) الظواهر اللغوية في التراث النحوي (الظواهر التركيبية) : 135.

(4) البيت للشاعر عمر بن ابي ربيعة، ينظر، ديوانه: 502.

(5) كتاب سيبويه: 1/ 31.

(6) تنظر: حاشية كتاب سيبويه: 1/ 31؛ وشرح أبيات سيبويه للنحاس: 230؛ والخصائص: 2/ 390 ومابعدها.

(7) ينظر: في البنية والدلالة: 68.

(8) التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر، الدكتور عبد الفتاح لاشين: 213؛ وينظر: دلائل الاعجاز: 118 - 119.

(9) ديوان ابي تمام 2/ 207.

(10) ينظر: دلائل الاعجاز: 119؛ ومفتاح العلوم: 197، والتراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر: 215.

وقبله: ولقد شفى الاحشاء من برحائها ... أن صار بابك جار مازيار

والمعنى: ان (بابك) صار جارا في الصلب كما زيار وهو ثانيه في كبد السماء ولم يكن ثانيا لاثنين اذهما في الغار، فهو ثاني اثنين في الصلب الذي هو رذيلة، وليس ثانيا في الغار، وهو فضيلة.

(11) البلاغة والاسلوبية: 49؛ وينظر: مصطلح اللفظ والمعنى ومستويات التحليل اللغوي عند عبد القاهر، الدكتور بودرع عبد الرحمن (بحث) ، مجلة كلية الاداب والعلوم الانسانية، العدد الرابع: 341، سنة 1988م.

(12) ينظر: الاسلوبية والاسلوب: 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت