قال جدي، سلمه الله تعالى:"فتكون السن التي ابتدأ فيها ابن حزم دراسة الحديث والفقه هي عمر الغلام اليافع: سن الخامسة عشرة - وأين هذا من عمر رجل في الثامنة والعشرين؟ وإن بين السنين والعمرين لمفاوز تتيه فيها القطا، ويعيش فيها جيل -". (1)
قلت: وإنما ذكرت هذا ردًّا على من زعم أنه ما طلب العلم إلا عن كبر لقصة ذكروها في ذلك ليس هذا مجال إيرادها.
وقال العلامة أبو زهرة، رحمه الله تعالى، بعد كلام عن طلب ابن حزم للعلم:"لذلك لا نستطيع أن نقبل مثل هذه الأخبار كابتداء لتعلم ابن حزم الفقه، لأنها في ذاتها موضع نظر، لأنها تناقض سياق حياته، ولأنها فيما يظهر قد دخلها التصحيف". (2) وأطال الكلام، رحمه الله تعالى، في توجيه مسألة بداية طلب ابن حزم للعلم بما لم يسبق إليه.
هذا، وقد أوذي ابن حزم بسببين: سياسي وعلمي.
فأما السياسي فلمناصرته للدولة الأموية المروانية بالأندلس وتأييده لشرعيتها بالأدلة الشرعية، فنقم عليه ملوك الفتنة والطوائف وانتقل من سجن لآخر في محن طويلة ذكر هو نفسه طرفًا منها في"طوق الحمامة".
وأمّا العلمي فلمخالفته لفقهاء المالكية المقلِّدين، وتشنيعه عليهم وتشدده في ذلك، بل بلغ به الحال في ذمِّه للتقليد الذي كان قد انتشر في زمانه انتشارًا كبيرًا أن عنف على المتقدمين والمعاصرين.
قال الذهبي:"ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة وسبَّ وجدَّع فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة وهجروها ونفروا منها، وأحرقت في وقت..". (3)
(1) -"معجم فقه ابن حزم الظاهري" (2/56) ط مكتبة السنة.
(2) -"ابن حزم"لمحمد أبو زهرة (ص 32) .
(3) -"السير" (18/186) .