الصفحة 4 من 26

واتهم ابن حزم أعداؤه بأنه لم يتأدب على المشايخ ولم يأخذ العلم على أهله، وبأنه كان به مرض عصبي. وكل ذلك من تعصبهم عليه، ولعمر الله أي تربية وتأديب خير من تأديب النساء الناعمات إلى عمر البلوغ، ثم إنه معروف أنه كان لابن حزم شيخ مؤدب يدعى الفارسي.

هذا ناهيك عن مشيخته الذين روى عنهم وتفقه على يدهم كل واحد منهم إمام في العلم والعمل.

قال رحمه الله تعالى:

قالوا تحفَّظْ فإن الناس قد كثُرت *** أقوالهم، وأقاويل الورى مِحنُ

فقلت: هل عيبهم لي غير أنّيَ لا *** أقول بالرأي إذ في رأيهم فتنُ

وأنني مولع بالنصِّ لست إلى *** سواه أنحو ولا في نصره أهِنُ

لا أنْثَني لمقاييسٍ يقال بها *** في الدين بل حسبيَ القرآنُ والسننُ

يا برد ذا القول في قلبي وفي كبدي *** ويا سروري به لو أنهم فطِنوا

دعهم يعضُّوا على صَمّ الحصى كمدًا *** من مات مِن قوله عندي له كفنُ (1)

وأقول: سأناقش بحول الله تعالى عنف ابن حزم في نقد"المحلى". والله المستعان.

وإذا كان أعداء ابن حزم حُرموا معرفة حقّه وقدره، فقد عرفه المنصفون وأتباع الحق.

قال أبو حامد الغزالي، حجة الإسلام رحمه الله تعالى،"وجدت في أسماء الله تعالى كتابًا ألفه أبو محمد ابن حزم، يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه".

وقال تلميذه وحامل راية مذهبه من بعده الحافظ الحميدي:"كان ابن حزم حافظًا للحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة، متفننًا في علوم جمة، عاملًا بعلمه".

وقال أبو القاسم صاعد بن أحمد:"أقبل على علوم الإسلام حتى نال من ذلك ما لم ينله أحد بالأندلس قبله".

ووصفه الحافظ الذهبي ب"الإمام الأوحد، البحر ذو الفنون والمعارف، أبو محمد". وقال:"كان ينهض بعلوم جمة، ويجيد النقل، ويحسن النظم والنثر، وفيه دين وخير، ومقاصده جميلة ومصنفاته مفيدة. وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكِبًّا على العلم..".

(1) - من"السير" (18/212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت