قال ابن كثير: (وقوله: {حتى يعطوا الجزية} ؛ أي إن لم يسلموا، {عن يد} ؛ أي عن قهر لهم وغلبة، {وهم صاغرون} ؛ أي ذليلون حقيرون مهانون؛ فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء) [1] .
وقال ابن القيم: (فإن من كون الدين كله لله: إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم فهذا من دين الله ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة) [2] .
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: (قال الله عز وجل: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ؛ قال: فلم يأذن الله عز وجل في أن تؤخذ الجزية ممن أمر بأخذها منه حتى يعطيها عن يد صاغرا) ، قال الشافعي: (وسمعت عددا من أهل العلم يقولون:"الصغار أن يجري عليهم حكم الإسلام) ، قال الشافعي: (وما أشبه ما قالوا بما قالوا لا متناعهم من الإسلام فإذا جرى عليهم حكمه فقد أصغروا بما يجري عليهم منه) ، قال الشافعي: (وإذا أحاط الإمام بالدار قبل أن يسبي أهلها أو قهر أهلها القهر البين ولم يسبهم ... فعرضوا عليه أن يعطوا الجزية على أن يجري عليهم حكم الإسلام لزمه أن يقبلها منهم ولو سألوه أن يعطوها على أن لا يجري عليهم حكم الإسلام لم يكن ذلك له وكان عليه أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون بأن يجري عليهم حكم الإسلام) ، قال: (فإن سألوه أن يتركوا شيئًا من حكم الإسلام إذا طلبهم به غيرهم أو وقع عليهم بسبب غيرهم لم يكن له أن يجيبهم إليه ولا يأخذ الجزية منهم عليه فأما إذا كان في غزوهم مشقة أو من بإزائهم من المسلمين ومن ينتابهم عنهم ضعف أو بهم انتصاف فلا بأس أن يوادعوا وإن لم يعطوا شيئا أو أعطوه على النظر) [3] ."
والحاصل مما تقدم أنه يجب على المسلمين السعي في جعل دين الله تعالى ظاهرًا على جميع الأديان في الأرض، ودفع الفتنة عن دين الله عز وجل في الأرض كلها، ولهذا فإن المسلم لا تحد دعوته الحدود الدولية المرسومة من قبل الصليبيين، ولا يرضى بالتزام مهللٍ ولا تحكيمًا لبعضِ الأحكام الشرعية دون بعض، ولا يسكتون عن الكفار حتى يكونوا أذِلاء صغرة، قال تعالى في سورة الأنفال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
(1) تفسير ابن كثير 2/ 248
(2) أحكام أهل الذمة 1/ 111
(3) الأم 4/ 176