على الصومال رافعة شعار المصالحة بينه وبين خصومه، أما لماذا هذا التوسط المفاجئ؟ فلأن الصوماليين يجيدون القتال ولا يجيدون السياسة. وتبعا لذلك فهم، بحسب إحدى الأطروحات حتى المحلية، يتسمون بقلة الخبرة السياسية والتجربة ما يجعلهم بحاجة إلى المساعدة! ولسنا ندري إن كان الرئيس وحكومته منهم أم أنهم نضجوا؟
لكن هذه الأطروحة تنتقص، من حيث تدري أو لا تدري، من مشروعية الجهاد وأهدافه بحيث يبدو وكأن الهدف من القتال هو القتال بحد ذاته أو بصيغة أخرى ممارسة الإرهاب، ولا يبدو أن هكذا أطروحة توقفت، ولو قليلا، عند تجربة المحاكم باعتبارها تجربة صومالية خالصة تمكنت من بسط سلطتها، دون مساعدة من أحد، على أغلب مناطق البلاد وطبقت أحكام الشريعة ونجحت في إشاعة الأمن والاستقرار في الصومال لمدة ستة أشهر، ولم يشتك أحد في حينه من مفارقات ولا من انعدام خبرات ولا من غياب للدولة، ولم تكن المحاكم في ذلك الوقت تتحدث لا عن جهاد عالمي ولا عن تهديد إقليمي ولا عن الحاجة حتى إلى وسطاء. فهل كان الصوماليون زمن المحاكم راشدين وبعد هزيمة الأثيوبيين أصبحوا قاصرين؟
ولأنها أطروحة غير دقيقة، خاصة وأن التجربة أُجهضت بفعل التدخل الدولي المسلح وليس لقلة الخبرة، فقد اصطدمت على الفور بمواقف القوى الجهادية التي حسمت الموقف بمسألتين خلافيتين قبل الحديث عن أية مصالحة مع الحكومة:
الأولى: الانسحاب الشامل لكافة القوى الأجنبية من الصومال ابتداء من القوات الأثيوبية وانتهاء بالقوات الدولية الأفريقية"أميصوم".
الثانية: تطبيق أحكام الشريعة على البلاد والعباد.
لكن واحدة فقط من هاتين المسألتين (تطبيق الشريعة) هي التي تشكل موضوع الحراك السياسي بالنسبة للوسطاء والحكومة، فالحوار فيها يستهدف"تقريب وجهات النظر"مما يعني أن هناك مشكلات جدية خاصة في نية الحكومة تطبيقها من الأصل كنظام حكم وحياة.
لذا ثمة شكوك كبيرة وفقدان للثقة بين القوى الجهادية والحكومة من جهة وحتى بين الوسطاء المحليين والوافدين من جهة أخرى. وفيما يلي بعض المؤشرات التي تعكس حقيقة الخلاف: