فهرس الكتاب
الغنيمة وانتصار الحق: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون} .
وهكذا هو العمل الجهادي يعتمد بالدرجة الأولى في موارده وتمويله على الرزق الحلال الطيب من الغنيمة والفئ، ثم على الإنفاق والصدقات، وقد عدّ الإمام أحمد رحمه الله الجهاد بالمال واجبًا في إحدى الروايتين عنه.
قال ابن القيم: (وهي الصواب الذي لا ريب فيه فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه) [1] .
إن خروج المجاهد إلى أرض المعركة وروحه على كفه والموت في سبيل الله أغلى أمنياته لا يمنعه من أن يغنم مالًا حلالًا أخذه بحق واعتزاز ليضمن بإذن الله ارتفاع رايته، واستمرار جهاده، وانتصار دعوته.
حتى وان كانت نفسه نفس حر تعف عند الغنيمة إلا ان ظفره بها هو ظفر للجماعة المجاهدة وتمكين للدعوة الخالدة.
إن عفة المجاهد عن المغنم هو درس تربوي من دروس الإنفاق في الجهاد، وتقرير منه أن النصر الحقيقي لا يأتي من المال والمتاع ولكن من المعاناة والشدة والصبر، كما قال الأول:
يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعفّ عند المغنمِ
إنه سمو روح وغنى النفس وعزة الجهاد تجعل المجاهد سبّاقًا إلى الخيرات في السراء والضراء حريصًا على إعداد المجاهدين ماديًا بقدر المستطاع وتجهيزهم للجهاد بما أمكن.
وتلك سنة دأب عليها كبار الصحابة وأغنياؤهم رضوان الله عليهم أجمعين حتى اشتهر بعضهم بالنفقة في سبيل الله، والمسارعة في تجهيز جيوش الإسلام.
وهذه حقيقة تمثل طبيعة التكامل في المنهج الرباني لبناء الجماعة المجاهدة لتصفو ضمائرهم، وتسمو نفوسهم بحب الخير والتعاون على البر بعيدًا عن الأنانية والمعاملات المحرمة كالربا، ومن الأسرار القرآنية اللطيفة ذلك النداء الرباني للمؤمنين في النهي عن أكل الربا
(1) زاد المعاد 3/ 558