أوراق من دفتر سجين
الورقة الحادية عشر
والفضل ما شهدت به الأعداء
للشيخ
أبي محمد المقدسي
فك الله أسره
1434 ه > 2013 م
بسم الله الرحمن الرحيم
لا أصلح الله منا من يصالحكم ... حتى يصالح ذئب المعز راعيها
إن من أعظم نعم الله على الموحد أن يهديه سبحانه إلى منهج الأنبياء، وأن يجعل سريرته وصورته وسيرته تتقفّى آثارهم وطرائقهم وأن يوفقه ويهديه لذلك وييسر له الظروف التي تجعله كذلك، ومن المبشرات التي تعرّف بهداية الله له لذلك عداوة أعداء الله له لأجل دعوته .. فلقد قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم في فجر دعوته:"لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي"، إذن فعداوة أعداء الله لأتباع الرسل شهادة لهم أنهم على الجادة، وكلما اشتدت هذه العداوة واستطار شررها كلما دل ذلك على صحة الطريق واستقامته.
هناك شهادات عديدة لأعدائي أعتز بها وأودّ لو وضعت في (براويز) إطارات وصدّرت على حوائط بيتي تماما كما يبروز خريجوا الجامعات شهاداتهم ويعتزون بها ويعلقونها على الجدران، لدي من هذه الشهادات كم متنوع وكثير .. عندما أستذكر بعضها ينشرح صدري وتلذ نفسي كما يتلذذ الظمآن في قيظ الصيف بالماء البارد، وأشعر بنشوة الإنتصار وعزة المؤمنين واستعلائهم حتى وإن كنت في أضيق القضبان وأظلم الزنازن وأشد القيود، فمن يعجز عن تحجيم العقيدة والروح يرقع هزيمته بالتضييق والتنكيل بالجسد ..
بعض هذه الشهادات صادر عن أكاديمية ويست بوينت لمكافحة الإرهاب في الجيش الأمريكي وبعضها عن مراكز دراسات وبحوث عربية وعبرية وغربية تترصد"أشد منظري الإرهاب"تأثيرا وبعضها صادر عن مدراء مراكز مكافحة الإرهاب في هذا البلد وغيره من البلاد وبعضها عن علماء السوء ودعاة الضلالة وكهنة السلاطين وفقهاء المارينز وبعضها صادر عن صحافيين من أعداء الدين الحاقدين على الجهاد والمجاهدين أو كتاب عملاء للأنظمة وصحف أو فضائيات وأبواق للطواغيت ..
ولا تتسع لذلك هذه الأوراق المختصرة ولذلك سأكتفي ببعض الشهادات المحلية في هذا البلد أذكرها على وجه التحدث بنعمة الله علي وإغاظة لأعداء الله وتأكيدًا لقطع العلائق معهم بإسخاطهم والإعتزاز والإغتباط والفرح بذلك: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) .. فمن ذلك:
-شهادات عديدة لمدير مركز مكافحة الإرهاب السابق من ذلك قوله: [قبل مجيئك إلى البلد لم نكن نعرف فكر التكفير] - يقصد تكفيره والبراءة منه هو وأولياءه وأنصار القوانين - .. [أنت خربت البلد .. لم نعتقل تنظيما مسلحا جهاديا إلا وجدنا كتاباتك عندهم] وقال أثناء ثلاث سنوات من توقيفي في سجن المخابرات بدون محاكمة: [أنا لا أستطيع الإفراج عنك .. ولا حتى مدير المخابرات يملك ذلك .. أمريكا وأكثر الأنظمة العربية ترفض الإفراج عنك .. !!]
تغلي قلوبكمُ عليّ بحرّها ... حنقا وغيظا أيما غليان ...
موتوا بغيظكمُ وموتوا حسرة ... وأسىً عليّ وعضوا كل بنان ...
أنا همكم أنا غمكم أنا سقمكم ... أنا سمكم في السرّ والإعلان
-والشهادة الثانية لمدير سجن المخابرات (أبو عقلة) قال لي بعد تكرار شكاوى عساكره له بأني أكرر المناداة من طاقة زنزانتي محرضا مثبتا إخواني المعتقلين: (الله مولانا ولا مولى لهم) (استعينوا بالله واصبروا) (سيجعل الله بعد عسر يسرا) (اثبت أحد - أحد أحد) (ثبات حتى الممات - ثبات ولو كره الطغاة) وغير ذلك حتى صارت عادة لإخواننا بعد ذلك .. قال لي ذلك المدير أثناء كثير من توعّداته لأكف عن ذلك: [أنت أسوأ سجين مرّ عليّ] .. وكأني أنتظر منه شهادة حسن سلوك!! بل هي كما قال القحطاني رحمه الله:
لم أدّخر عملا لربي صالحًا ... لكن بإسخاطي لكم أرضاني
-والشهادة الثالثة شهادة عزيزة على قلبي لمدير مركز مكافحة الإرهاب الحالي حين سعى بعض الأصدقاء للإفراج عني في بداية اعتقالي هذا مدعيا أهمية وجودي خارج السجن لمصلحة البلد كوني صمام أمان لشباب التيار، إلى آخر ما هنالك، قال ذلك المدير: [أبو محمد ليس منه فائدة] . وعندما حاول آخر مموها عليهم قائلا: (إن أبا محمد تغيّر وأنه وأنه .. ) قال المدير: [أبو محمد لا يمكن أن يتغير!!] ما أبردها على كبدي من كلمات .. أسأل الله الثبات ..
أن يصل عدوك إلى مرحلة اليأس من استعمالك وقطع الأمل من استثمارك لرغباته ومخططاته وأن يفقد كل أمل من أن يتخذك مطية لصالح نظامه .. ذلك دون شك انتصار حقيقي حتى وإن كنت ساعتها تقبع في أعتى السجون وأظلم المعتقلات وتحوط بك أعلى الأسوار وأغلظ القضبان وتسوّر قدماك ومعصماك بأشد القيود .. ولا يعرف حقيقة هذا الإنتصار ويستشعر لذته إلا من تذوّقه، إذ أن عدوك يكون ساعتها قد رفع الراية البيضاء معلنا عن إنكساره أمامك أنت الأسير معترفا بانهزامه واندحاره أمام ثباتك وصلابة صخرتك ورسوخ عقيدتك ..
كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فما ضرّها وأوهى قرنه الوعل
فهو يعترف في قرارة نفسه بالإنهزام والإنكسار والإنحناء أمام قامتك حتى وإن كان يتبوأ أعلى المناصب والمراكز الأمنية ويتحكم بمئات المقنعين المدججين بالسلاح يبثهم ليحطموا أبواب البيوت ويفزعوا الأمهات ويروّعوا الأطفال في ساعات الليل الآخر .. إنه مهزوم مكسور ذليل أمام ثباتك وإن جلس في أفخر المكاتب، مدحور أمام سجين لا يملك من مقومات القوة المادية الدنيوية شيئا، بل على العكس فهو في حسابات الدنيا؛ المستضعف أو المطارد أو المعذب أو المأمور ولكنه في حسابات القوة الحقيقية، قوة الإيمان والعقيدة، منتصر عزيز، وعدوه المنكسر المستسلم الذليل بعد يأسه منه ..
إن هذا الإنتصار الذي أتذوقه وأحدث به إخواني كلما وصلتني أمثال هذه الكلمات وتلكم الشهادات لا يعرف طعمه إلا القليل من الناس ممن أعلن أعداؤهم عن يأسهم من محاولات كسرهم واستمالتهم أو حرفهم أو استعمالهم وشرائهم .. فالذين لا يستمالون ولا يُحرفون ولا يستعملون ولا يشترون في زماننا قليل، خصوصا مع زيادة سقف المدفوعات ..
كم كان يزعجني سابقا تجرّؤ بعض حمقاهم ممن كان لا يكلّ ولا يمل من محاولاته الدؤوبة لاستمالتي ودعوتي للتعاون معهم، رغم وضوحي وصراحتي في تكفيرهم، كم كان ذلك يزعجني لأنه كان يعني عندي وجود بصيص أمل عندهم في هذا الإتجاه وكم كنت أجاهد لتحطيم هذه الآمال وسحق وإخماد ذلك البصيص ..
في إحدى المرات وبينما كنت أجلس في مكتب نائب مدير مركز مكافحة الإرهاب (سابقا) والمدير الحالي للتحقيق إذ دخل محقق أراه لأول مرة وجلس فقال له ذلك النائب: [أبو محمد يرفض التعاون معنا] فالتفت ذلك المحقق إليّ وقال: (لماذا ترفض) ؟! فقلت مشيرا إلى النائب: (هو يعرف لماذا أرفض اسأله يخبرك) فقال بعصبية: (أنا أريد أن أسمع منك أنت) فقلت: بمنتهى البساطة أنا أراكم كفارا وأعتبركم أعداء فهل يعقل أن أتعاون مع أعدائي أو أن أعمل في عمل أراه كفرا أو أن أنصر عملا أكفر أصحابه .. ؟! فاستشاط غضبا وقال: أنت أصلا لا ينبغي أن تسجن أنت المفروض أن تقتل لأن النبي قال عن أمثالك: (اقتلوهم فإن في قتلهم أجرا .. حدثاء الأسنان .. ) فقلت له: أنت كم عمرك؟! أنا قطعا أكبر منك، فهذا ينطبق عليك من باب أولى .. فاستفززته بذلك ولم يقدر على نسيانه مدة طويلة إذ كان يحدث بذلك بعض إخواننا المعتقلين قائلا: هل هذا رد علمي من شيخكم .. !! وأقول: هذا رد بمستواكم .. وإنما الرد العلمي لأهل العلم الذين يعرفون الإستدلال ووجوه الدلالة.
كانت تلك المحاولات تزعجني رغم ردي لها بمثل هذا الوضوح وتلكم الصراحة لأني كنت أفهم منها وجود بصيص من أمل خبيث في مخيلاتهم .. واليوم تشنف أذنيّ كلمات مدير مركز مكافحة الإرهاب الحالي: [أبو محمد ليس منه فائدة] يقصد أني عصي على الإمتطاء من قبل النظام ومخابراته، نتيجة وصل إليها بعد قرابة العشرين سنة من المحاولات التي لا تكل ولا تمل بين ترغيب وترهيب وسجن وتعذيب أثمرت عن فشل وانكسار المرغب المرهب المعذب حابس السجان .. ورفع الراية البيضاء .. إنه إذن الإنكسار لصاحب الصولة والسلطان والإعتراف بالهزيمة .. وهو الإنتصار للعقيدة والإيمان والعزة للمؤمنين لا يشاركهم فيها غيرهم .. كم هذه لذيذة عزيزة جميلة كريمة هذه النتيجة والحال ..
إنها الجنة أو جنة من الجنان التي يتحدث عنها شيخ الإسلام وعزته التي لم تفارقه حتى قضى نحبه في قلعة دمشق أسيرا .. إنه الإنتصار الذي تحدث عنه سيد قطب في حديثه عن أصحاب الأخدود .. إنه استعلاء الإيمان وانكسار الطغيان الذي شرحه في المعالم والظلال، ثم تمثل به عمليا على أعواد المشنقة فلقي ربه منتصرا عزيزا ثابتا لا يتزحزح حذاؤه فوق هامات الطغاة وهم أسفل منه قبل أن يشنقوه وبعد ذلك ..
بقي أن يعرف القارئ ما آل إليه حال بعض أصحاب الشهادات السالفة ليتوسم مصير الباقين ..
-أما مدير السجن المذكور الذي كان يستحضرني إلى مكتبه كل صباح مقيدا للخلف ليتحكم بصفعي وشتمي لعله يردعني بذلك ويكفني عن المناداة بتلك الكلمات المثبتات عبر طاقة زنزانتي .. لقد شلت أركانه وأقعد ورآه بعض إخواننا على كرسي متحرك يسيل لعابه من فمه لا يقدر على مسحه ثم ما لبث أن هلك ..
-أما مدير مركز مكافحة الإرهاب السابق الذي كان يفاخر ويحاضر عن حرصه على أمن البلد وإخلاصه لها وعذبنا وآذانا وظلمنا فلقد طرد من مركزه ذليلا لافتضاح سوء استخدامه لسلطته ووظيفته وسيده ومديره (الباشا) يقبع اليوم في سجن سواقة بعد أن أدين وحكم في قضايا فساد.