الصفحة 13 من 31

الدليل الثامن عشر:

قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون) ، فعقد الله تعالى الأخوة بين المنافقين والكفار، وأخبر أنهم يقولون لهم في السر: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، أي: لئن غلبكم محمدًا صلى الله عليه وسلم وأخرجكم من بلادكم (لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا) أي: لا نسمع من أحد فيكم قولًا، ولا نعطي فيكم طاعة (وإن قوتلتم لننصرنكم) أي: إن قاتلكم محمد (لننصركم، ونكون معكم، ثم شهد إنهم لكاذبون في هذا القول.

فإذا كان وعد المشركين في السر بالدخول معهم، ونصرهم والخروج معهم إن جلوا، نفاقًا وكفرًا وإن كان كذبًا، فكيف بمن أظهر ذلك صدقًا؟ وقدم عليهم ودخل في طاعتهم، ودعا إليها ونصرهم، وانقاد لهم وصار من جملتهم، وأعانهم بالمال والرأي؟ هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك، إلا خوفًا من الدوائر، كم قال تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) .

وهكذا حال كثير من هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة، فإن عذر كثير منهم هذا، هو العذر الذي ذكره الله عن الذين في قلوبهم مرض، ولم يعذرهم الله به، قال تعالى: (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسم بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) .

ثم قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) فأخبر تعالى أنه لا بد عند وجود المرتدين من وجود المحبين المجاهدين؛ ووصفهم بالذلة والتواضع للمؤمنين، والعزة والغلظة والقسوة على الكافرين، بضد من كان تواضعه وذله ولينه، لعباد القباب (الروافض زملاؤكم) ، وأهل القحاب واللواط (الأمريكان) ، وعزته وغلظته على أهل التوحيد والإخلاص، فكفى بهذا دليلًا على كفر من وافقهم، وإن ادعى أنه خائف، فقد قال تعالى: (ولا يخافون لومة لائم) وهذا بضد من يترك الصدق والجهاد خوفًا من المشركين.

ثم قال تعالى: (يجاهدون في سبيله) أي في توحيده صابرين على ذلك ابتغاء وجه ربهم، لتكون كلمة الله هي العليا (ولا يخافون لومة لائم) أي لا يبالون بمن لامهم وآذاهم في دينهم، بل يمضون على دينهم يجاهدون فيه، غير ملتفتين للوم أحد من الخلق، ولا لسخطه ولا لرضاه، وإنما همتهم وغاية مطلوبهم رضا سيدهم ومعبودهم، والهرب من سخطه، وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت