ولأنها كانت أشهر ميدان في الصراع بين الفرق الدينية المسيحية التي لعنت بعضها، وكفرت بعضها بعضا، وخاضت حروبا طاحنة فيما بينها لقرون طويلة ومظلمة ودموية؛ فقد كان من الطبيعي أن تتميز أوروبا بكونها ساحة للصراعات الفكرية الناجمة عن هيمنة الكنيسة، باعتبارها المسؤولة الوحيدة عن نمط الحياة واحتكار التشريع فيما يجوز ولا يجوز. وعلى وقع المعاناة والثمن الباهظ الذي دفعه العلماء من أرواحهم وأجسادهم شق» العقل الوضعي «طريقه إلى الحياة الأوروبية، واستطاع أن يتجاوز المرحلتين» الميتافيزيقية «و» المثالية «ويبلغ المرحلة» الوضعية «.
لا ريب أن للفلاسفة الإنجليز دورهم في انعتاق أوروبا وتطورها، والتأسيس لأحدث دولة رأسمالية وصناعية ولبرالية في العالم، لكن العلامة الفارقة في التحول كانت من نصيب الثورة الفرنسية سنة 1789 التي فتحت، في ذلك العصر المسمى بـ» عصر الأنوار «، أبواب الفكر على مصاريعه. وبطبيعة الحال حصلت نقلات نوعية في مستوى» الفكر القومي «وفي مستوى العلوم والقوانين والدساتير والحقوق والاجتماع والسياسة والاقتصاد والرياضيات والفلك والكيمياء والبايولوجيا. لكن الثابت أنه لا يمكن القول بأن النشأة التاريخية لـ» الفكر القومي «الأوروبي يمكن أن يخرج عن كونه:
-نتاج أصيل لكل هذه الصراعات والأفكار؛ وبالتالي فهي محصلة» عصر الأنوار «بكل حمولته اللبرالية والرأسمالية والعلمانية، ماديا وقيميا.
-وأن» الدولة القومية «، هي الابنة الشرعية لـ» الفكر القومي «، وليس لـ» النظام السياسي «كما هو شائع في العالم العربي أو الإسلامي. فهي الوحدة البنيوية المركزية في» النظام الدولي «برمته. لذا ثمة فرق بين» نظام سياسي آمن «يعتبر الدولة مكسبا عظيما بالنظر إلى تاريخية تشكيلها، و» نظام سياسي طارئ «يرى في دولة استحدثت بالأمس القريب غنيمة يمكن تحطيمها إذا لزم الأمر دون أن يأبه الحاكم أو العابثون فيها لأية عواقب.
-وأن» الدولة القومية «أيضا، هي بالضرورة والنشأة معادية للدين؛ فقد قامت على أنقاض» الدولة الدينية «. لذا فهي تستمر بالنظر إلى الأديان الأخرى لاسيما الدين الإسلامي، في ضوء معاناتها التاريخية من حكم الكنيسة ومظالمها وتشريعاتها وتأويلاتها لـ» الإنجيل «أو فيما بعد لـ» الكتاب المقدس «. ولا تقيم أي وزن للدين في الحياة العامة (16) ، ولا تستعمله إلا كمعطى وظيفي في الحشد الاجتماعي لتحقيق أغراض سياسية أو اجتماعية. بل أنها تؤمن يقينا بأن الدعوة إلى» تطبيق الشريعة «ليست سوى خروج على» الدولة القومية «وعودة إلى الدين. أما لماذا؟
-وأن» النازية «و» الفاشية «و» العنصرية «و» الفوضوية «و» الأممية «و» الصهيونية «و» الماسونية «هي منتجات سياسية أصيلة أيضا لـ» الفكر القومي «الأوروبي أولا، و لـ» الدولة القومية «ثانيا، وليست بدعا من القول. هذه الحمولة أثبتت مخرجاتها، بالوقائع القاطعة، أنها أشد دموية من» الدولة الدينية «في