أوروبا. فـ» الدولة القومية «هي التي قادت حملات الاستكشاف الضخمة في العالم، وهي التي انطلقت في حملات استعمار واستعباد وقهر للشعوب، وهي التي نشطت في عمليات نهب منظمة لثروات الأمم، وهي التي أفرزت قيمها حربين عالميتين، وقنابل ذرية اختُبِرت فاعليتها على البشر، وهي التي أودت بحياة عشرات الملايين من ضحايا الإبادة والحروب والتعذيب، وهي التي زرعت أنظمة الاستبداد ورعتها، فضلا عن تفكيك العالم الإسلامي كما سيرد لاحقا.
فلأن الدولة، إضافة لما سبق أعلاه، هي دولتهم أصلا وفصلا. وهم أول المعنيين في الدفاع عنها قبل أي نظام سياسي. ولأن أوروبا أو دول» المركز «تعلم أنه لا شأن للمسلمين في نشأة هذه الدولة وتاريخيتها. وأنه لا وجود لأية علاقة تجمع بين المسلمين والإرث الفكري أو السياسي أو الديني أو التاريخي الذي أنتجها. لكن» المركز «الذي رعى هذه الدولة ونُظُم الاستبداد ولمّا يزلْ يخشى عليها من التهديد الذي تمثله الثورات، ويجتهد في احتواء الأمر، مستفيدا مما يعتقد أنها حصانة تاريخية تتمتع بها الدولة من الداخل. وبالتالي فهو ليس قلقا من إزاحة النظم السياسية التي تروح وتجيء بقدر ما يبدو فزعا من غضب الشعوب ومصير مشؤوم ينتظر» الدولة القومية «و» النظام الدولي «كما سنرى لاحقا أيضا.
أما حصانة الدولة فتكمن في مرجعياتها التي حطت رحالها، مبكرا، في العالم الإسلامي، وفي القلب منه، العالم العربي، عبر وفود الطلبة الأتراك الذين أرسلتهم الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن 18 الميلادي إلى سويسرا وفرنسا، وعادوا منبهرين بالأفكار اللبرالية والقومية التي أنتجت فيما بعد النزعة الطورانية وحزب» تركيا الفتاة «وكمال أتاتورك. وفي المشرق العربي حطت رحالها عبر حملة نابليون على مصر (1798 - 1801) . ولشدة انبهاره بالحضارة الغربية ونقل نموذجها إلى مصر وسائر البلاد العربية اعتمد محمد علي باشا، أحد أقدم وأخطر رموز الفكر اللبرالي والتغريب والعداء السافر للدين، على البعثات العلمية المتخصصة والثقافية إلى أوروبا. وبدأت أولى البعثات الطلابية إلى إيطاليا سنة 1813 ثم إلى فرنسا بدءً من سنة 1826، وخلال الفترة ما بين 1813 - 1847، تم إرسال 339 مبعوثًا إلى أوروبا، دون أن تتوقف سياسة الابتعاث طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين (17) .
كما أنها دولة محصنة عبر فكر ورموز التغريب في مصر، ممن أسسوا لـ» قواعد اللبرالية «و» الهيمنة «تاريخيا، أمثال محمد علي باشا وجمال الدين الأفغاني، وتلامذته مثل الشيخ محمد عبده، ورفاعة الطهطاوي وقاسم أمين ولطفي السيد ومحمد حسين هيكل وإسماعيل مظهر وعباس محمود العقاد، وطه حسين وسلامة موسى وغيرهم. أما في المغرب العربي فقد برز اسم الطاهر الحداد (1899 - 1935) ، وخير الدين التونسي، وفي الشام برز الثلاثي الشهير شبلي شميل وشارل العيساوي وفرح أنطون، من نخب الثقافة المسيحية، بالإضافة إلى نيقولا حداد وبطرس البستاني، وجورج زيدان، وأديب إسحاق، وسليم نقاش وميشيل عفلق وقسطنطين زريق، وكذلك إبراهيم اليازجي. وانتظم الكثير من هؤلاء في أحزاب سياسية أو تيارات فكرية أو نوادي أدبية أو جمعيات مدنية أو دور نشر وترجمة ووسائل إعلام متنوعة.