ذلك أنه لا ينشط لعمل ولا يسرع لامتثال أمر حتى يزنه في ميزان عقله المخلوق ويعرف فوائده المادية المحسة.
والحج بوضعه الدقيق الغامض المنافي للمألوف المعروف لعبَّاد العقل والمادة وأسارى النظم والتررتيبات يدعو بكل عمل من أعماله للإيمان بالغيب واتباع الأمر المجرد وعزل العقل عن محدوديته لزمن يسير وفي مكان محدود.
يقول الغزالي: (( ولذلك وظف عليهم فيها- أماكن الحج- أعمالًا لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية ) ) [1] .
والحج بمناسكه وأركانه وأعماله كلها تمرين وتمثيل للطاعة المطلقة وامتثال للأمر المجرد وسعي وراء الأمر وتلبية وإجابة للطلب، فالحاج يتقلب بين مكه ومنى وعرفات ومزدلفة ثم منى ومكة يقيم ويرحل طوع إشارة ورهن أمر، وهكذا كانت حياة إبراهيم عليه السلام وحياة الأنبياء من بعده طاعة تامة لله جل وعلا، فعمل المسلم انقياد وطاعة واتباع لأبي الأنبياء وصدق الله العظيم {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِين} [النحل:123] .
قال صاحب كتاب: (( كيف حج [2] النبي - صلى الله عليه وسلم - ) )؟ قد يبدو باديء ذي بدء أن الحج عبادة غير معقولة المعنى ... لكنه عند التأمل تتجلى أسراره وتظهر آثاره وتنكشف حكم الله في تشريعه .... فهو نوع من السلوك أو من التدريب العملي على مجاهدة النفس من أجل الوصول إلى ما تنشده النفس من كمال وسمو تنطلق فيه الحناجر هاتفة بذكر الله- لبيك اللهم لبيك )) .
الفصل الرابع
مواقيت الحج وكيف حج النبي - صلى الله عليه وسلم -
ويشمل ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مواقيت الحج.
المبحث الثاني: حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) إحياء علوم الدين جـ 1 ص 240.
(2) كيف حج النبي - صلى الله عليه وسلم - ص 121.