أما قوله تعالى: (إن بعض الظن إثم) فسياق الآية في ظن المسلم بأخيه أنه اغتابه أو حسده، أو رام له شرًا، ونحو ذلك مما ينقله الوشاة لقصد إثارة العداوة والبغضاء، مع أن أكثره لا صحة له، ولكنه قد يسبب سوء الظن من المسلم بأخيه، فأمر المؤمنون بتجنب كثير من هذا الظن الذي يثير الشحناء والتقاطع بين المسلمين. وليس في الآية أمر ببعض الظن أصلًا.
4-ومنها قولهم: لو علم الله صدق خبر الواحد لم يخلنا من دليل على ذلك. فيقال: لا شك أن الله ضمن بقاء دينه وشرعه لهذه الأمة بعد أن أكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة.
ولا شك أن أكثر تفاصيل هذا الدين إنما تؤخذ عن هذه الأخبار، فلو كانت كذبًا في نفس الأمر لأقام الله على ذلك أدلة وبراهين، كي لا يلتبس الحق بالباطل، فتقع الأمة في الزيغ والضلال.
وهذا أوضح دليل على أنها صدق وحق.
وهكذا من أوضح الأدلة وأكبر البراهين على صحتها إجماع الأمة في الجملة على العمل بها.
فهذا الدليل ينبغي أن يعكس عليهم فيقال: لو علم الله أنها كذب مع عمل الأمة بها لأقام برهانًا واضحًا على عدم صحتها، فدل على أنها صحيحة ثابتة.
5-ومنها قولهم: إننا لا نصدق كل خبر نسمعه، فلو كان خبر الواحد يفيد العلم لصدقنا كل ما سمعناه، وحصل به العلم كما يحصل بكل متواتر، ولم يلزم اشتراط إسلام الرواة وعدالتهم في قبول الآحاد، كما لا يلزم ذلك في المتواتر.
فيقال: حقًّا إننا لا نصدق كل خبر، ولكن لا يلزم منه تكذيب كل خبر، ولا التوقف في جميع الأخبار، فنحن نصدق البعض يقينًا، ونجزم بكذب البعض، وقد يترجح لنا أحد الاحتمالين من غير جزم، وقد نتوقف في البعض، وقد يحصل التوقف للبعض منا دون البعض؛ وهذه سنة الله في التفاوت بين خلقه في الأفهام والمدارك، فلا يلزم من رد البعض رد الكل.