ثم إن من الرواة من تعرف عدالته بالشهرة، واستفاضة فضله وعلمه بين الناس، فلا يحتاج إلى البحث عنه، أو طلب التزكية له، كمالك، والثوري، وشعبة، والأوزاعي، والليث، والزهري، ونحوهم من جهابذة العلماء، فإن ما اشتهروا به من نشر السنة، والذب عنها، والاحتياط في قبولها أعظم من تزكية أهل الجرح والتعديل لبعض الرواة، مع ما يجوز على المزكي من المحاباة والأغراض الداعية إلى وصفه بغير ما يستحقه.
وقد سُئِلَ ابن معين عن أبي عبيد، فقال: مثلي يُسأل عن أبي عبيد؟ أبو عبيد يسأل عن الناس. أما من عداهم فيلزم التأكد من أهليتهم، وذلك بالرجوع إلى كلام أئمة هذا الفن.
والأصح أنه يكتفى في الجرح والتعديل بالواحد من الأئمة المعتبرين، حيث إن أصل الرواية يقبل فيها الواحد، فكذلك فرعها الذي هو أهلية الراوي أو عدمها.
والصحيح أن التعديل يقبل ولو لم يذكر سببه، لأن أسبابه كثيرة، بخلاف الجرح فلا يقبل إلا مُفسَّرًا حيث إ ن الناس يختلفون في أسباب الرد، فقد يعتبر بعضهم ما ليس بجارح جارحًا كما روي أن شعبة ترك حديث رجل لأنه رآه يركض على برذون. وقيل للحكم بن عتيبة: لّمِ لم ترو عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام، ذكر ذلك العراقي في فتح المغيث وغيره.
ولكن إذا كان الجارح من ذوي العلم والنظر في أحوال الناس، فالأرجح الاكتفاء بجرحه وإن لم يذكر سببًا؛ وعلى ذلك سار الأئمة في مؤلفاتهم غالبًا.
ثم إذا تعارض الجرح والتعديل قدم المفسر منهما، فإن كانا مبهمين فالصحيح تقديم الجرح، لأن الجارح اطَّلع على ما خفي على المعدل الذي إنما ينظر إلى الظاهر، وإن كانا مفسرين وكل منهما نفى ما أثبته الآخر، رجع إلى الترجيح لمن هو أتم معرفة واطلاعًا على أحوال الرواة، ونحو ذلك.
الباب الثالث
ما يفيده خبر الواحد
أدلة من قال: إن خبر العدل يفيد العلم
وبيان ما يرد عليها والجواب عنه