هذا القول هو مذهب جمهور السلف، وأكثر المحدثين والفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو الصحيح عن الإمام أحمد رحمه الله فقد اشتهر عنه القطع بأَحاديث الرؤية والعلم بمدلولها، وذلك يحتمل أنها عنده من المتواتر المعنوي لكثرتها، ويحتمل أنه يقطع بالآحاد.
والصحيح المشهور عنه القطع بثبوت الحديث متى توفرت فيه شروط الصحة؛ فقد حكى عنه غير واحد القطع المطرد في خبر الثقة بإفادة العلم.
ويتأيد ذلك بما اشتهر عنه من الشهادة للعشرة بالجنة مع أن الخبر فيهم آحاد، ولم يخرجه أهل الصحيحين، ولكنه مما تلقي بالقبول. والشهادة لا تكون إلا بعد العلم بالمشهود به.
وقال المروذي: قلت لأبي عبدالله: ها هنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملًا ولا يوجب علمًا، فعابه وقال: لا أدري ما هذا؟ فإنكاره لهذا القول صريح في أنه يُسوي بين العلم والعمل.
ونص في رواية أحمد بن الحسين الترمذي أنه يحتم على الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الرواية الثانية عنه بترك الجزم فغير صحيحة عنه، وإن اشتهرت عند الأصوليين؛ وعمدتها ما حكاه الأثرم عنه أنه قال: إذا جاء الحديث بإسناد صحيح فيه حكم أو فرض، عملت به ودنت الله به، ولا أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك.
وهذه الرواية انفرد بها الأثرم، وليست في مسائله، ولا في كتاب السنة، وإنما نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية من خط القاضي، على ظهر المجلد الثاني من العمدة، والقاضي ذكر أنه نقلها من كتاب معاني الحديث للأثرم، بخط أبي حفص العكبري. ولم يذكر الأثرم أنه سمع ذلك من الإمام أحمد، ولعله بلغه من واهم وهم عليه في لفظه وعلى تقدير ثبوتها فلعل توقفه عن الشهادة بها على سبيل التورع، فقد كان رحمه الله يجزم بتحريم أشياء وبوجوب أشياء، ويتورع عن إطلاق لفظ التحريم أو الوجوب، بل يقول: أكره كذا، أو أستحب كذا.