فأما ما روي عنه أنه قال: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا على أحد أنه في الجنة لصالح عمله، إلا أن يكون ذلك في حديث فنصدقه ونعلم أنه كما جاء، ولا ننص الشهادة فقد فسر القاضي أبو يعلى قوله: ولا ننص الشهادة. بأن معناه: ولا نقطع على ذلك. ورد عليه شيخ الإسلام وبين أن مراده: لا نشهد على معين. وأبطل تفسير القاضي بقوله في شأن الحديث: ونعلم أنه كما جاء، فإنه يقتضي صريحًا إفادة العلم عنده.
فتحقق بذلك ضعف الرواية بعدم القطع، وترجحت الرواية الأولى والحمد لله، وقد عرفت بهذا مستند من أثبت عن أحمد فيه روايتين، ومن رجح عنه إفادة الظن، وهو ما فهموه من هذه الرواية الموهمة، فلا تنخدع بتتابع أهل الأصول على ترجيحهم عنه ما اختاروه، فعذرهم كما قدمنا عدم التمكن في علم الحديث، وعدم الرجوع إلا إلى كتب أهل الكلام.
فأما ما نقل الآمدي عن أحمد من القول بإفادة الخبر العلم اليقيني من غير قرينة، واطراد ذلك في كل خبر. فإن هذا القول ليس على إطلاق، لما فيه من المجازفة، ولا يظن بعاقل أنه يصدق كل ما سمعه من خبر، مع ما عهد في الناس من كثرة الكذب، واختلاق الأخبار التي لا حقيقة لها.
وقد اشتهر عن الإمام أحمد ما لا يحصى من كلامه في الجرح والتعديل، ورده لأخبار الضعفاء، فهو لا يقبل الخبر للعلم به والعمل بمقتضاه إلا بعد توفر شروط القبول فيه.
وقد نقل السخاوي في فتح المغيث له حكاية الجزم بكل خبر متلقى بالقبول، عن جمهور المحدِّثين وعامة السلف. وذكر الإسفرائيني إجماع أهل الصنعة على القطع بصحة ما في الصحيحين وأن من حكم بخلاف ما فيهما بغير تأويل سائغ نقض حكمه.
ونقل السيوطي في التدريب عن الحافظ السجري إجماع الفقهاء أن من حلف على صحة ما في البخاري لم يحنث. ونقل عن إمام الحرمين أنه قال: لو حلف بطلاق زوجته أن ما في الصحيحين من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته بالطلاق.