وقال أبو عمرو ابن الصلاح بعد ذكر الحديث الصحيح المتلقى بالقبول: وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافًا لقول من نفى ذلك؛ محتجًا بأنه لا يفيد إلا الظن .. قال: وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم عن الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة، ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته، لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول .. سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدار قطني وغيره. انتهى.
فقد اختار هذا الإمام القطع بثبوت ما في الصحيحين، لما اتضح له الدليل، ولم يبال بكثرة المخالفين، وكأنه لم يطلع على أقوال السلف والأئمة، وموافقتهم لما رجحه ليتقوى بهم، وقد تعقبه بعض المشايخ من أهل العلم والصلاح، كالنووي وغيره، وظنوا أنه قد انفرد بهذا القول عن الجمهور والمحققين؛ وهم معذورون في ذلك على اجتهادهم، حيث إنه ليس لهم بهذا الباب خبرة تامة، وإنما يرجعون فيه إلى ما يجدونه في كتب أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة كابن الحاجب، والرازي، والغزالي، والباقلاني، والجبائي، وأبي الحسين البصري، ونحوهم.
وقد رد البلقيني على النووي، وذكر أن اختيار ابن الصلاح هو المحكي عن فضلاء أهل المذاهب وأهل الحديث، وعامة السلف. وتعقبه أيضًا ابن حجر بأن كثيرًا من المحققين وافقوا ابن الصلاح. وقد اختار ذلك أيضًا ابن كثير والسيوطي.
وذكر في شرح الكوكب أن أكثر الأصحاب قالوا: إنه يفيد العلم إذا احتف بالقرائن التي تسكن إليها النفس؛ وأن المسلسل بالأئمة الحفاظ يفيد العلم، وهو المذهب، وظاهر كلام الأصحاب، وجزم به ابن أبي موسى في الإرشاد.