1-فمن ذلك: ما تقدم من تناقل السلف لهذا النوع من الأخبار، وتداولها بينهم، والحرص على تلقيها وتحصيلها، ثم الاشتغال بمذاكرتها، وإثباتها في المؤلفات. وإن في هذا لأوضح دليل على أن قد تحققوا صحتها، واستفادوا منها العلم اليقيني، وإلا لذهب عملهم ضياعًا، وحاشاهم أن يفنوا أعمارهم في تناقل ما لا يفيد علمًا ولا يوجب عملًا.
فإنه من المتفق عليه أن ما تحتوي عليه هذه الأخبار ليس من الأمور العملية التي تنقل لأجل أن يعمل بها، وإن كانت ظنية.
فما بقي إلا أن يتحقق يقينهم بمعناها، واعتقادهم لما دلت عليه على ما يليق بجلال الله، وهذا هو ما عليه الصحابة والتابعون، ومن اقتفى أثرهم من سلف الأمة وأئمتها.
2-ومن الأدلة: ما اشتهر عن الأئمة من إدخال مدلول تلك الأخبار في معتقداتهم، وتصريحهم بالقول بمقتضاها، وردهم لقول من جحدها، وتحذيرهم منه.
وما ذاك إلا لتحققهم صدقها، وعدم الشبه والشكوك في قلوبهم، مما يسبب نفرتهم عن الإصغاء إليها، بل إن أحدهم يتقبل كل ما سمعه من أخيه الذي يثق بصدقه ودينه، من غير توقف في نوع ما من أخباره.
بل إن عظمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبهم أعظم من أن يردوه بمثل هذه التوهمات.
وكذلك قدر الصحابة ونقلة الحديث وحماته أجل عندهم من أن يتطرق إليهم تهمة، أو يقال لأحدهم: خبرك خبر واحد، فلا يفيد العلم، أو لا يقبل إلا في الفروع.
وقد روي عنهم التثبت، وطلب زيادة رواة في بعض أحاديث الأحكام، كما طلب عمر من أبي موسى أن يأتي بمن يتقوى به في خبر الاستئذان، فأتى بأبي سعيد، وكذا استظهر المغيرة بمحمد بن مسلمة ليشهد معه عند عمر على خبر دية الجنين وميراث الجدة. وغير ذلك.
ولم ينقل عنهم التوقف في شيء من أخبار الصفات، أو المعاد ونحوها، بل قد اشتهر عنهم إمرارها كما جاءت بلا كيف، وعدم التعرض لتأويلها، وصرح الكثير منهم بالقول بمقتضاها على ما يليق بجلال الله تعالى.