الصفحة 99 من 102

ولقد أطال المتكلمون ذكر الخلاف في هذا الباب، وأكثروا من حكاية الأقوال فيه، وقد نسب تقديم القياس على الخبر إلى بعض الأئمة كمالك وأبي حنيفة، ولا يصح عنهما بإطلاق، فإن مالكًا يقول بحديث المصراة مع مخالفته للقياس عندهم وكذلك يجعل دية أصابع المرأة في الثلاثة ثلاثين بعيرًا، وفي الأربعة عشرين، وهكذا أبو حنيفة لا يخالف الحديث الصحيح لقياس و لا غيره فقد عمل بحديث الوضوء بالنبيذ في السفر، وبحديث بطلان الوضوء بالقهقهة في الصلاة: لاعتقاده صحتهما مع مخالفتهما للقياس.

وقد نسب إلى أبي حنيفة رد خبر الواحد إذا خالف الأصول كالاستحسان والاستصحاب، وأنا أعتقد أن أكثر تلك الروايات التي تحكى عن هؤلاء الأئمة مخالفة للقواعد الشرعية لا تصح عنهم، وإنما خرجها على مذاهبهم بعض من غلا في تقليدهم، عندما وجد لهم أقوالًا اعتمدوا فيها القياس، حيث لم تبلغهم الأحاديث فيها، أو لم تتضح لهم دلالتها، فأراد بعض أتباعهم أن يعتذر عنهم بأن تلك الأحاديث آحاد قد خالفت الأصول؛ ثم أضيفت تلك القواعد إلى مذاهب الأئمة لشهرتها عند أتباعهم، ثم إن بعض الأصوليين فرق في خبر الواحد بين ما إذا كان راويه فقيهًا فيقدم على القياس بخلاف خبر غير الفقيه.

ومنهم من فصل في علة القياس بين المنصوصة والمستنبطة، ثم بين وجود العلة في الفرع قطعًا أو ظنًا، ومثلوا للمنصوصة بما لو قال الرسول صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا البر بالبر متفاضلًا لأنه مقتات ومدخر؛ فيدخل الأرز في الحكم، لوجود العلة فيه قطعًا فلو جاء خبر بجواز الربا في الأرز لم يقبل، لمخالفته تلك العلة المنصوصة، فأما إن لم ينص على العلة، وإنما استنبطت من الأصل، ثم وجدت في نظيره فهاهنا يقدم الخبر لكون دلالته قطعية إلى آخر تفصيلاتهم التي لا دليل عليها.

والمختار تقديم الخبر الصحيح مطلقًا لأمور:

1 -أن القياس مختلف في كونه دليلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت