قال: فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت.
فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزًا فاجعل الدهناء، فحَمِيَت العجوز واستوفزت!!
قالت: يا رسول الله، فإلى أين تضطر مُضَرَك؟
قال: قلت: إنما مثلي، ما قال الأول: مِعْزاة حملت حتفها! حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا!! أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال: (( هيه، وما وافد عاد؟ ) )وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قَيْل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج جبالَ تهامة، فنادى: اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت مُسْقيه، فمرّت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رمادًا رمددًا ولا تبق من عاد أحدًا!!
قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح، إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا، قال أبو وائل: وصدق قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد) ا. هـ
قال أبو الحسن: ولا عتَبَ على الكريم إن ظن باللئيم ظنًا حسنًا لبعض ما يتصف به من حميد خصال، أو بسبب ما تبدا له به من حال، فلا أعظم من خبث المنافقين، ومع هذا قد يُعجب بأجسادهم وألسنتهم المؤمنون، كما قال ربنا جل في علاه: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) } [المنافقون] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(فهذا تحذير من الله تعالى من النظر إليهم واستماع قولهم، فلا ينظر إليهم ولا يسمع قولهم، فإن الله سبحانه قد أخبر أن رؤياهم تعجب الناظرين إليهم، وأن قولهم يعجب السامعين [1] .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
(1) مجموع الفتاوى (15/ 398) .