الصفحة 11 من 146

(كانوا أشكالًا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، إذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن [1] .

وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله:

(وأتْبَعَ انتفاءَ فقهِ عقولهم بالتنبيه على عدم الاغترار بحسن صورهم، فإنها أجسام خالية عن كمال الأنفس، كقول حسان ولعله أخذه من هذه الآية:

لا بأس بالقوم من طول ومن غِلَظٍ ‍ ... جسم البغال وأحلام العصافير

-إلى أن قال-: والمراد بالسماع في قوله: {تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} الإصغاء إليهم لحسن إبانتهم وفصاحة كلامهم، مع تغريرهم بحلاوة معانيهم تمويه حالهم على المسلمين [2] .

فهؤلاء المنافقون أخبث الناس وشر البرية، وإنما يغر أهل الإيمان منهم فصاحة ألسنتهم وحلاوة منطقهم وجمال صورهم، فتَسْدُلُ تلك المظاهر على أبصار المؤمنين حُجُبًا تستر به الحقائق والقبائح، وزينة الباطل الغارّة لها مظاهر وأشكال، فقد تكون فصاحة لسان وحسن بيان، أو جمالًا، أو زهدًا وتقشفًا، أو دمعةً سيَّالة، أو غير ذلك.

وإذا كان المنافقون مع خبث دواخلهم بالحال الذي علمت من المؤمنين، فلا ريب أن من فوقهم من المسلمين مهما بلغوا من فساد الذوات إذا اتصفوا ببعض الخصال الحسنة الظاهرة، فهم أحرى وأجدى أن يخفى أمرهم، وينطلي زيفهم على الألباء الأذكياء.

ودونك الإمامان الجليلان مالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي رحمهما الله، فقد روى الأول عن عبدالكريم بن أبي المخارق، وروى الثاني عن إبراهيم بن أبي يحيى، وهذان الرجلان من الضعف عند أهل العلم بمكان لا يخفى! وإنما رويا عنهما لبعض ما أعجبهما من صفاتهما، كما ذكره الحافظ ابن عبدالبر عليه رحمة الله، فقال:

(وعبد الكريم هذا ضعيف لا يختلف أهل العلم بالحديث في ضعفه، إلا أن منهم من يقبله في غير الأحكام

(1) تفسير ابن كثير (8/ 126) .

(2) التحرير والتنوير (28/ 238 - 239) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت