ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت)، وفي رواية عند مسلم: (فإن الفويسقة تُضرم على أهل البيت بيتهم) .
وهكذا يفعل من أصابته تلك النزعة إذا دخل الديار، لا تراه يلبث قليلًا حتى يضرم بين أهلها نار الأذى والفرقة والشِقاق!!
ولا غرو بعد هذا أن كانت تلك الفأرة الفويسقة من الخمس الفواسق اللاتي يقتلن في الحِلِّ والحَرَم!
فمن أفسد في دار مُكرِمهِ المحسنِ إليه، وهو في نفس الوقت يأكل منها وبها، ويستشرف بالانتساب إليها خاصة حين كساد البضاعة وفسادها، فذلكم شَبَهُهُ فاعرفوه!!
ولم يتوقف التعري عن مروءات الكرام عند هذا الحد، بل أوصلته تلك النَزْعة إلى إيذاء صاحب الدار نفسه، فغدا يصف بعض أقواله المشتهرةِ عنه بالأوصاف البذيَّة، ويصف القائل بها بأنه مصطبح ومتغدٍ ومتعشٍ في سُفْرة -وليس صفرة- الأزارقة والصُفرية!!
فهل رأيتَ أيها الناظر معضلة أخلاقيه كهذه؟!!
ألا رحم الله كرامًا أحسنوا به الظن، وعظم أجرهم وجبرَ مصابهم، وإنه ليذكرني هذا الحال بقصة الحارث بن حسان [1] رضي الله تعالى عنه لما أراد القدوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد عجوزًا في طريقه منقطعٌ بها، فاحتملها معه وما شَعَر أنها ستكون له خصمًا!
فقد روى الإمام أحمد [2] في مسنده بإسناده عن الحارث بن يزيد البكري رضي الله عنه قال: (خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالرَبَذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطعٌ بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله، وإذا راية سوداء تخْفِق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا، قال: فجلست، قال: فدخل منزله - أو قال: رحله - فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت، فسلمت فقال:(( هل كان بينكم وبين بني تميم شيء؟ ) ).
(1) ويقال له: الحارث بن يزيد أيضًا.
(2) المسند (25/ 306) ط- الرسالة، وقد روي من غير طريق، وقال محققوه: إسناده حسن.