كيف تروج دعوى محبة الثاني مع بغض خِلّه وحِبّه الأول؟! بل ذمِّهِ وعيبهِ والافتراءِ عليه!! فهل صحّت واستقامت عند عاقل دعواه؟! أم لاح أنها المصالح المرتجاة!! ومحبة الشُهرة والذِكر والجاه!!
هل غاب عن علم (العلامة!) الغزير!! وفهمه الملبّد الوفير!! قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم وغيره: (لا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تَكْرِمَتِه إلا بإذنه) .
قال ابن بطال رحمه الله: (صاحب المنزل في منزلهِ كالأمير لا ينبغى لأحد التقدم عليه في أمر [1] .
وقال ابن رجب رحمه الله: (ونقل حرب عن أحمد، قال: إذا كان الرجل في قريته وداره فهو في سلطانه، لا ينبغي لأحد أن يتقدمه إلا بإذنه.
وفي رواية لمسلم في حديث أبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يؤمن الرجل في أهله ولا في سلطانه) .
وعلى هذه الرواية، فالمراد بأهله: بيته، وبسلطانه: ما يتصرف فيه بأمره ونهيه كأمير البلد [2] .
فانظر كيف قدم الشارع صاحب السلطان في سلطانه، وصاحب الدار في داره، في الإمامة على غيره ولو كان ذلك الغير أقرأ منه وأفقه وأورع! ونهى عن الجلوس على فِراش صاحب الدار ووطائه إلا بإذنه! فبربك قل لي أي جناية جناها من دخل دار مُضيّفه ومُكْرِمِه، فآذاه وأفسد في الدار، ولم يرع لصاحبها ولا لأحبابه وأصحابه حرمة ولا ذمة؟!!
فلا والله ما كان ذلك بُخُلقِ بني الإنسان، فضلًا عن أهل الإسلام! وإنما تلك الفعلة الردية، نزعةُ لؤمٍ فأرية!!
والفأر من شأنه دخول الديار عند سكون الحركات، وغياب الأصوات! ليسلم من هشم العصا، أو رجم الحجار والحصا! فيفترش الدارَ سُفْرَة، يأكل من طعام أهلها حتى يبشم، ثم يكون شُكرُه وحمدُه عيثُ الفساد! حتى إنه ليكون سببًا في إضرام النار على أهل البيت!! ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما واللفظ للبخاري: (خمروا الآنية، وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، واكفتوا صبيانكم عند العشاء، فإن للجن انتشارًا وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة
(1) شرح صحيح البخاري له (9/ 315) .
(2) فتح الباري لابن رجب (6/ 136) .