فهرس الكتاب
ويلزمك أن تجعل (المكفر بغيره) مكفرًا لذاته إذا لم يوجد مانع، إذ المانع فيما أسميته بـ (المكفر بغيره) قد يوجد وقد لا يوجد، فيلزمك عند عدم وجوده ما يلزمك عند وجوده في الأول!
فإذا صدق اسم اصطلاحك الأول على أفراد الثاني، وصدق اسم الثاني على أفراد الأول، فقد بطل تقسيمك من أساسه!!
الوجه السادس: قوله في (المكفر لذاته) : (وصفه قائم قبل التَّفهيم، وتجلية التَّعتيم، أو إقامة الحُجَّة، وبيان المحجَّة) يقال له: ما مرادك بالوصف - (وصفه قائم) -؟!
فإن كان مرادك بالوصف: ما يقوم بالمعين من حركة عند الفعل أو القول، فهذا مشترك مع كل الأفعال والأقوال، لا يند منها عن ذلك شيء، فكل فعل وقول على هذا وصفهُ قائم قبل التفهيم وإقامة الحجة، فما أتيت بشيء!
وإن كان مرادك بالوصف: صفة الفعل من حُسن وقُبح، فهذا مشترك مع كل فعل قام له وصف قبل الشرع، حَسَنًا كان أو قبيحًا، فيدخل في تعريفك هذا أغلب الأفعال، إذ الأفعال لها في ذاتها صفة الحسن والقبح قبل مجيء الشرع كما هو قول أهل السنة -وسيأتي-، فكل فعل قام بالمعين وكان له وصف فقد قام بالمعين وصفه، ويصح أن يُطلق عليه اسم فعله، فلم تأت بشيءٍ أيضًا، ولم تمنع دخول غير أفراد المُعرَّف فيه، وأيضًا فقد أثبتَّ في أفراد المُعرَّف ما ليس منه كترك الصلاة، إذ فعلها إنما يجب بالشرع لا قبله، وقبح تركها غير معلوم قبل الشرع.
وإن كان مرادك بالوصف: حكم المعين الذي قام به الفعل المكفر الذي عُلم قبحه قبل الشرع، فالتكفير -حكمًا لا اسمًا- لا يكون إلا بعد بلوغ الشرع، وقد أدخلت في أفراد المُعرَّف ما لا يعلم قبحه إلا بالشرع، فالتعريف إذًا فاسد على كل الوجوه.
وهاهنا ثلاثة أمور: وصف الفعل في ذاته، ووصف المعين إذا قام به الفعل، وما يترتب على الوصف من حكم.
فالفعل لا يتغير وصفه قبل قيامه بالعين وبعده، وقيامه بالعين يُكسبها وصفه -الاسم- إذا كان الوصف معلومًا قبل الشرع، فأما الحكم فهو باتفاق بعد الشرع.