الصفحة 107 من 146

وصاحب التقسيم المبتدع يخلط بين وصف الفعل في ذاته، ويجعل قيام الفعل بالمعين قيامًا لوصفه فيه، دون تفريق ولا تفصيل بين ما كان من الأعمال معلوم القبح قبل الشرع وما لم يكن كذلك، ثم يُرتب على قيام الوصف بالمعين إنزال الحكم عليه، فيخلط بين ثلاثة أمور، كما ستراه في المسألة الثانية إن شاء الله.

والحاصل أن التعريف غير حاصر لأفراد المعرف، ولا مانع لأفراد غيره من دخولها فيه بوجه من الوجوه.

الوجه السابع: أن قوله: (وصفه قائم قبل التَّفهيم، وتجلية التَّعتيم، أو إقامة الحُجَّة، وبيان المحجَّة) ، غير مُطَّرد في أفراد المعرَّف، فترك الصلاة مثلًا لا يكون كفرًا قبل بلوغ الحُجَّة بوجوبها باتفاق المسلمين، فلو تركها من لم يبلغه وجوبها كمن نشأ ببادية أو كان حديث عهد بإسلام، أو كان في زمان درست فيه آثار النبوة، أو نحو ذلك فليس بكافر قبل الحجة، إذ وجوب الصلاة إنما يتلقى بالرسالة، ولا يُعلم قبح تركها إلا بالشرع.

الوجه الثامن: قوله في (المكفر لذاته) : (والمَنَاط فيه يدور على «الوصف» فقط) ، غير مطرد في أفراده، وترك الصلاة مثال كما توضح سابقًا، فليس مناط الحكم فيها على الوصف، بل على الوصف بعد الشرع.

الوجه التاسع: قوله في (المكفر لذاته) : «العذر بالجهل» ، أو «التَّأويل» فيه، غير مُعْتَبرين ألبتة، وإهدار تلك الأوصاف ـ من «عذر بالجهل» أو «التَّأويل» وعدم اعتبارهما ـ يكون إلَّا في «المُكَفِّرِ لِذَاتِه» فقط؛ النَّاقض لأصل الدّين.) إطلاق غير صحيح، وسترى بيان ما عليه في المسألة الثانية.

الوجه العاشر: قوله في (المكفر لذاته) : (والقول بالتَّفريق ـ في المُكَفِّرِ لِذَاتِه ـ بين «القول» ، و «القائل» و «الفعل» ، و «الفاعل» ؛ بأَن تقول: القول كفر، وقائل لا يكفر، أو الفعل كفر، وفاعله لا يكفر ـ للعكَّازين المُعْوَجَّين، «العذر بالجهل» ، أو «التَّأويل» ـ، قَوَاعد «الجهمية» الجديدة المُعاصرة) , إطلاقه غير صحيح أيضًا، وخلطه بين الأسماء والأحكام وافتراقها واجتماعها قبل الشرع وبعده ولَّد له هذه المصائب، كما سترى في المسألة الثانية.

الوجه الحادي عشر: قوله في (المكفر بغيره) : «المُكَفِّرُ بِغَيْرِهِ» المَنَاط فيه، على رفع «الجَهل» ، وإبطال «التَّأويل» أوَّلًا، قبل نزول «الحُكم» على «الوصف» ) ، محض هذيان، فالجهل والتأويل ليسا مناطًا بل مانعًا، والمانع لا يكون مناطًا للحكم، فالمانع ما يلزم من وجوده عدم الحكم ولا يلزم من عدمه عدم الحكم ولا وجوده، والمناط هو العلة التي عُلِّق عليها الحكم، فكيف يكون المانع مناطًا للحكم وهو منتفٍ بوجوده؟!! وهنا أمران:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت