فهرس الكتاب
كون الفعل أو القول في ذاته كفرًا.
وكون قيام الفعل أو القول بالمعين سببًا وعلة للتكفير، وهما متلازمان، فلو لم يكن القول أو الفعل في ذاته كفرًا ما صح كونه مناطًا للتكفير، وهذا مبين فساد الاصطلاح بـ (مكفر بغيره) .
ثم إن ورود العوارض إنما يكون على الثاني لا على الأول، فمناط التكفير واحد، وهو القول أو الفعل المكفر، ووجود المانع لا يُغيّر المناط عن كونه مناطًا، وإنما يمنع تعدية حكم الفعل أو القول إلى المعين.
الوجه الثاني عشر: جهله بأفراد الموضوع الذي بنى عليه اصطلاحه، فأدخل في (المكفر بذاته) ما يستحق أن يُدخل في (المكفر بغيره) -هذا لو سُلِّم اصطلاحه-، كما سترى مثالًا عليه في المسألة الثالثة، ووقع في غلو شديد إذ أناط الكفر فيه على الوصف ولم يقبل فيه عذرًا لا بجهل ولا بتأويل، وأدخل في (المكفر بغيره) ما يستحق أن يُدخل في (المكفر لذاته) -لو سُلِّم اصطلاحه- كإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وقد تبين مما تقدم أن إنكار المعلوم من الدين بالضرورة لا يعذر فيه بالجهل ولا بالتأويل في بلد يظهر فيها الإسلام، فجمع بين إفراط وتفريط، وغلو وتقصير.
وبالجملة فقد أدخل في (المكفر لذاته) و (المكفر بغيره) ما يمكن فيه تعدد المراتب، فيصح كون بعض صوره من جنس المسائل الظاهرة، وبعضها من جنس المسائل الخفية، وبعضها ليست من هذه ولا من هذه، والله المستعان.
والخلاصة: أن صاحب التبصير ليس ممن تأهل لتقسيم المكفرات، لا من جهة العلم بأحكام أفرادها، ولا من جهة الإحاطة بها، ولا من جهة إدراك الفروق في أوصافها، ولا من جهة ما يلزم من أراد الاصطلاح من معرفة دلالات الألفاظ، ولهذا كله فما اصطلح صحيحًا، ولا عبَّر فصيحًا، ولا أخرج رأيًا نجيحًا، بل مُعابًا مشوهًا قبيحًا، وبالله التوفيق.