الصفحة 110 من 146

الأول: أن الشرك والكفر عنده بمعنى واحد، فانظره يقول: (فسمَّاهم اللَّه تعالى مشركين وسمَّى «هود» عليه السلام قومهم مفترين؛ قبل توضيح لهم الحُجَّة، وبيان المحجَّة) ، فلماذا سماهم الله مشركين؟ لقيام الوصف، فتحقُّقُ الوصف هنا مُلحِقٌ للاسم وهذا مُسلّم.

ثم يقول: (ومَنَاط الحُكم ـ الذي هو التَّكفير ـ يدور على ذلك «الوصف» فقط) ، فإذًا التكفير يترتب على مجرد قيام الوصف، ولحوق الاسم يترتب على مجرد قيام الوصف، فلا فرق بينهما، إذ مدارهما على الوصف فقط، ولا مشاحة في هذا الموضع لو كان مراده بالشرك والكفر اسمهما، لكنه بيَّن مراده الخطأ بـ:

الثاني: أنه جعل الحكم بالتكفير مُرتبًا على قيام الوصف فقط، وفسَّر مراده بالتكفير بأنه اجتماع الاسم والحكم الدنيوي -الجزاء- فقال: (فالعبادة المطلوبة شرعًا ـ وأعني بها: التَّكفير فيمَن وقع في المُكَفِّرِ لِذَاتِه ـ وعليها مدار الاعتقاد، والمَنَاط فيها على «الوصف» فقط، أَن نكفّر مَن وجب تكفيره ونعمل فيه موجبات ذاك التَّكفير ـ من سفك للدَّم) ، مع أن ما استدل به من الآيتين مُثبتٌ للاسم لا للحكم، فحينئذٍ:

الثالث: لا فرق بين الشرك والكفر عنده على معنىً باطل، إذ معناه عدم التفرقة بين ترتب الاسم وترتب الحكم الدنيوي، فمناط الكل على الوصف فقط، ومنه يتضح:

الرابع: أنه يُلازِم -فيما سماه بالمكفر لذاته- بين الاسم والحكم تلازمًا مطلقًا، فيُرتِّبُ على قيام الوصف بالمعين لحوق الاسم والحكم ترتيبًا مطردًا في أحكام الدنيا، وهذا عين الباطل.

فانظر استدلاله بالآيتين على ثبوت وصف الشرك والافتراء قبل مجيء الحجة -وهذا مُسَلَّم-، ثم قال: (فالوصف قائم، قبل مجيء الدَّليل الهادم، ومَنَاط الحُكم ـ الذي هو التَّكفير ـ يدور على ذلك «الوصف» فقط) مع قوله: (فالعبادة المطلوبة شرعًا ـ وأعني بها: التَّكفير ... إلخ) ، فهو لا يفرق بين الوصف المُثْبِتِ للاسم، وبين الحكم المترتب عليه، فيجعل ثبوت الأول ثبوتًا للثاني بلا انفكاك.

فمثلًا: الاستغاثة بالأموات شرك، إذا فعله المعين لحقه الاسم قبل ورود الشرع وبعده، فيسمى مشركًا، لكن هل يترتب على ثبوت الاسمِ استحقاق حكم الكفر باطراد، أي الجزاء بالقتل والقتال في الدنيا والتعذيب في الأُخرى، أم أن ثبوت الأول لا يكون بمجرده مُثبِتًا للثاني إلا بشرط بلوغ الحجة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت