الصفحة 111 من 146

كما ترى لا أثر في كلامه ولا تعويل على بلوغ الحجة، فمجرد قيام الوصف المُلحِقِ للاسم عنده يبيح إنزال الجزاء الدنيوي دون التفاتٍ لشرط جوازه المجمع عليه! وهكذا يكون التحقيق والتدقيق!!!

ولا أدري على هذا ما فائدة إرسال الله لرسله، وإنزاله لكتبه، وما معنى قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [الإسراء وقوله سبحانه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) } [النساء] .

وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) } [القصص] إلى غير ذلك من الآيات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام، وجمع بينهما في أسماء وأحكام ... فإنه سماهم ظالمين وطاغين ومفسدين؛ لقوله: {اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى} وقوله: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ} وقوله: {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} فأخبر أنه ظالم وطاغ ومفسد هو وقومه، وهذه أسماء ذم الأفعال، والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة، فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم، لا يستحقون العذاب إلا بعد إتيان الرسول إليهم لقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أَنْتُمْ إلَّا مُفْتَرُونَ} فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه، لكونهم جعلوا مع الله إلهًا آخر، فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة، فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أندادًا قبل الرسول، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال: جاهلية وجاهلًا قبل مجيء الرسول وأما التعذيب فلا [1] .

وقال أيضًا: (من خالف ما ثبت بالكتاب والسنة فإنه يكون إما كافرًا وإما فاسقًا وإما عاصيًا، إلا أن يكون مؤمنًا مجتهدًا مخطئًا فيثاب على اجتهاده ويغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذي تقوم عليه به الحجة فإن الله يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها فإنه يعاقب بحسب ذلك إما بالقتل وإما بدونه [2] .

(1) مجموع الفتاوى (20/ 37 - 38) .

(2) مجموع الفتاوى (1/ 113) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت