فهرس الكتاب
قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} .
وقال ابن تيمية لما تكلم عن أهل البدع كالخوارج ونحوهم: (لا يكفر العلماء من استحل شيئًا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة) .. ، وقال: (الكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد الرسالة) .. ، وقال أيضًا: (الكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد) .. ، وقال أبا بطين في الدرر .. قال: (إن قول الشيخ تقي الدين(إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة) .
وقال عبد الرحمن بن حسن (ولا ريب أن الكفر ينافي الإيمان ويبطله ويحبط الأعمال بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين) ..
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب .. لما نقل كلام ابن تيمية في مسألة تكفير المسلم المعين إذا أشرك بعد بلوغ الحجة، وقال: لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في هذه المسألة) ا. هـ كلامه.
قلت: وكذلك يقال في العذر بالجهل، إن أريد به كونه مانعًا من إلحاق الاسم على من وقع في الشرك حتى تقام الحجة فغير صحيح، وإن أريد به كونه مانعًا من ترتيب الحكم والجزاء حتى تقام الحجة فهو معنىً صحيح، ومنه يتضح لك أن قول صاحب التبصير: (ومَنَاط الحُكم ـ الذي هو التَّكفير ـ يدور على ذلك «الوصف» فقط، و «العذر بالجهل» ، أو «التَّأويل» فيه، غير مُعْتَبرين ألبتة) ليس صحيحًا البتة، لأن مراده بالتكفير إلحاق الاسم والحكم، وقد عرفت أن الجهل مانع من الثاني إلى أن تقام الحجة بخلاف الأول.
ولا يعترض بالقول: إن الحجة قد قامت على أغلب الناس فيما يتعلق بالمسائل الظاهرة، فالمقام مقام تفصيل لأصول المسائل كما ترى ..
وكذلك يقال في التفرقة بين تكفير النوع وتكفير العين في المسائل الظاهرة، إن كان المراد بالتكفير إلحاق الاسم دون الحكم، فالتفريق بين النوع والعين غير صحيح، وإن كان المراد بالتكفير هو إلحاق الاسم والحكم فيصح التفريق بين تكفير النوع وتكفير العين إذا لم تبلغه الحجة، كما تقدم في فتوى أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر، إذ قالوا: (إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله أو عدم من ينبهه لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول عمله هذا كفر يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، ولا يقال إن لم يكن كافرًا فهو مسلم، بل نقول عمله عمل الكفار وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية) .