الصفحة 117 من 146

المسألة الثالثة

سجود العبادة وسجود التحية

يقول صاحب التبصير:(فلو سجدتَ لمخلوق ـ ولو كان نبيًا ـ وقلت: ليس هذا بسجود له، وإنما هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة فقط، كما أقبلها بالنعم وتجنّب النقم، أو هذا إكرام وتحية فقط ـ وكونها غير خارجة عنها هذا قطُّ ـ، إلى غير ذلك من تَمْويهات.

قلنا: نُصدّقك. لكن لا يخرج بألفاظك تلك، عن كونه سجودًا لغير اللَّه، فلِتُسميه بما شئت!!

فـ «السُّجود» مُكفّر لذاته).

قلت: اشتراك الأفعال في الأسماء لا يستلزم اشتراكها في الأحكام، وتسوية الحكم على الأشياء لمجرد اشتراكها في الأسماء دون سبْرِ المسميات لون من ألوان الضلال والفساد.

وباب آخر من أبواب الفساد، حين يعرِضُ للناظر حكمٌ في مناطٍ جزئي يعارضُ بادئ النظر حكمًا كليًا، فيقضي إذ لم يهتد لوجه الفرق بينهما بإلحاق الجزئي بالكلي في الحكم، ويحسبُ بهذا أنه يحسنُ صنعًا، وهو قد تعدى حدود الله!

فالشارع لا يخص جزئيًا بحكمٍ وإن بدا للناظر معارضته لكلي متقرر إلا لمعاني فيه اقتضت المَيْز، علِمهُ من علمه وجهله من جهله، والواجب هو الوقوف مع حدود الشارع وإن خفيت معانيها، فهي الحق والهدى، وليس سواها إلا الظن والهوى.

فالسجود لغير الله ليس له معنى واحد ضرورةً، ومن يجادل في هذا فهو مسفسط، فقد يكون على معنى العبادة والقُربة وقد يكون على معنى التحية والتشريف والتكريم، فتعدد المعاني للفعل الواحد مُوجِبٌ للبحث في أحكام الشارع، ليتأتى معرفةُ حكمهِ على المتعدد في المعنى، إما باشتراكٍ بلا ميْز، أو افتراقٍ وتمييز.

فلننظر هل جاء في الشرع ما يقضي بافتراق حكم السجود إذا كان على وجه التحية والتكريم عن حكمه إذا وقع على غير هذا الوجه.

يقول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) } [البقرة] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت