فهرس الكتاب
فهذه الآية وغيرها كثير في معناها تقرر أن الملائكة سجدت بأمر الله لآدم عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن سجودهم لم يكن عبادة له بل لله، وهو لآدم تشريف وتكريم.
فثبت بهذا أن السجود على وجه التحية والتكريم قد وقع الأمر به من رب العالمين، ولهذا دلالة على مسألتنا ستأتي.
وقال الله تعالى عن يوسف وأبويه وإخوته إذ قدموا عليه في مصر: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) } [يوسف] .
فهذا نبي الله يعقوب عليه السلام، وأمُّ يوسف -على الصحيح-، وإخوة يوسف، كلهم سجدوا ليوسف عليه السلام حين دخلوا عليه تحية وإكرامًا وتشريفًا، فثبت من غير شك أن ذلك كان مشروعًا وجائزًا في شريعتهم، وثبت أن السجود على هذا المعنى كما قد وقع به من الله الأمر، فقد وقع بإباحته فيمن مضى الشرع.
روى الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله بإسنادٍ حسن عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، في قول الله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} قال: (كانت تحية من كان قبلكم، فأعطاكم الله السلام مكانها [1] .
وروى الإمام ابن جرير الطبري عليه رحمة الله بإسناد حسن عن قتادة قال: ( {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} وكانت تحية من قبلكم، كان بها يُحيي بعضهم بعضًا، فأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة، كرامةً من الله تبارك وتعالى عجلها لهم ونعمةً منه) .
وروى عنه أيضًا بإسناد صحيح: ( {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} قال: وكانت تحية الناس يومئذ أن يسجد بعضهم لبعض) .
وروى بإسناده عن محمد بن إسحاق رحمه الله قال: (تحمّل -يعني يعقوب- بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان) .
(1) تفسير ابن أبي حاتم (7/ 2202) .