الصفحة 22 من 146

العجب، لأنه سبب عنه [1] .

وذهب ابن حجر الهيتمي رحمه الله إلى أن السبب الباطني للكبر هو العُجب فقط! فقال: (ومما يهيج الكبر ويسعر ناره العُجب والحقد والحسد والرياء، إذ التكبر خُلق باطني لأنه استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير، وموجبه الحقيقي هو العُجْب -إلى أن قال- وأما غير العُجْب مما ذكرنا فإنما هو سبب للتكبر الظاهر، لأن باعثهُ على التكبر عليه هو الحقد والحسد، وعلى غيره هو الرياء [2] .

ومن عظيم خطر العُجب أنه يفسد الأعمال ويحبطها! وقد تقدمت الإشارة إلى شيءٍ من هذا، قال ابن حزم رحمه الله: (وإن العُجْب من أعظم الذنوب وأمحقها للأعمال، فتحفظوا حفظنا الله وإياكم من العجب والرياء [3] .

قال ابن القيم رحمه الله: (لا شيء أفسد للأعمال من العُجْب ورؤية النفس [4] .

وأخطر من كل هذا أنه بريدُ الشرك! وقد عدَّه شيخ الإسلام ابن تيمية نوعًا من أنواع الشرك -أي الأصغر-، فقال: (وطائفة أخرى قد يقصدون طاعة الله ورسوله لكن لا يحققون التوكل عليه والاستعانة به، فهؤلاء يثابون على حسن نيتهم، وعلى طاعتهم، لكنهم مخذولون فيما يقصدونه، إذ لم يحققوا الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولهذا يبتلى الواحد من هؤلاء بالضعف والجزع تارة، وبالإعجاب أخرى، فإن لم يحصل مراده من الخير كان لضَعْفِه، وربما حصل له جزع، فإن حصل مراده نظر إلى نفسه وقوته فحصل له إعجاب، وقد يُعجب بحاله فيظن حصول مراده فيُخذل، قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِين} إلى قوله: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وكثيرًا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعُجْب من باب الإشراك بالنفس! وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، والمعجب لا يحقق قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فمن حقق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} خرج عن الرياء، ومن حقق قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} خرج عن الإعجاب [5] .

(1) مقاصد الرعاية لحقوق الله (ص 140) .

(2) الزواجر (1/ 120) .

(3) رسائل ابن حزم (3/ 180) .

(4) الفوائد (ص 152) .

(5) مجموع الفتاوى (10/ 277) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت