بربك لو رآه ابن واسع فأين يكون تفلُه ذلك؟!!
ومما يناسب المقام قول أبي علي ابن مسكويه: (وحكي عن بعض الفلاسفة أنه دخل على بعض أهل اليسار والثروة، وكان يحتشد في الزينة، ويفتخر بكثرة آلاته، وقد حضرت الفيلسوف بصقة! فتنخع لها، والتفت في البيت يمينًا وشمالًا، ثم بصق في وجه صاحب البيت!! فلما عوتب على ذلك قال: إني نظرت إلى البيت وجميع ما فيه، فلم أجد هناك أقبح منه فبصقت عليه!!
-قال ابن مسكويه-: وهكذا يستحق من كان خاليًا من فضائل نفسه، وافتخر بالخارجات عنه!! [1] .
قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: (أفضَحُ ما يكون للمرء دعواه بما لا يقوم به، وقد عاب العلماء ذلك قديمًا وحديثًا، وقالوا فيه نظمًا ونثرًا فمن ذلك، قول أبي العباس الناشيء:
من تحلّى بغير ما هو ف ... عاب ما في يديهِ ما يدعيهِ
وإذا حاول الدعاوى لما ... أضافوا إليهِ ما ليس فيهِ
ويحسب الذي ادعا ما عَد ... أنه عالمٌ بما يعتريهِ
ومحل الفتى سيظهر في ال ... وإن كان ذائبًا يُخفيه
وأحسن من قول الناشيء قول الآخر في هذا المعنى:
من تحلى بغير ما هو ف ... فضحتهُ شواهد الامتحانِ
وجرى في العلوم جري سُكَي ... خلَّفتهُ الجياد يوم الرهانِ [2] .
ولنعد بعد هذا المسير، إلى نتف من انتفاخات صاحب التبصير:
7 -يقول: (نُجيبك عن هذا الحالك، المُخرج إلى بُنيَّات المسالك بقريحِ فهم، وغائص علم، لا يسعك إلَّا قَبوله، وتلذذ حُلوه وعُسله فإذا رأيت فيه الدَّليل، فتلَبَّد به وأكمل السَّير في السَّبيل، ولا تستوحش بقلَّة السَّالك، أو بقلَّة مَن فَهِم الأصول والمدارك، هذا إذا كنت صحيح العقد، قويَّ النَّقد، أما إِن شابتك شوائب «الجهمية» أو «المرجئة» ، فلا ينفع فيك أدوية مُهيَّأة؛ بقتل الدَّاء، بذاك الدَّواء، وإنما عليك نواح
(1) تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق (ص 206) .
(2) جامع بيان العلم وفضله (1/ 576 - 577) .