الصفحة 27 من 146

فقال: اللهم غفرانك، كل الناس أفقه من عمر.

قال: ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني قد نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهم على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب.

قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل [1] ا. هـ

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (إسناده جيد قوي [2] ، وكذلك قال السخاوي في المقاصد، وقال الزيلعي رحمه الله: (سنده قوي [3] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه، ورجوعه إلى الحق إذا تبين له، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة، ويتواضع له، وأنه معترف بفضل الواحد عليه، ولو في أدنى مسألة ... -إلى أن قال- وقد ثبت في موضع غير هذا أن اجتهادات السلف من الصحابة والتابعين كانت أكمل من اجتهادات المتأخرين، وأن صوابهم أكمل من صواب المتأخرين، وخطأهم أخف من خطأ المتأخرين [4] .

فتأمل حال ذلك المُلهم، حاملِ أعلى شهادة علمية، وهي الشهادة المحمدية النبوية، إذ شهد له بالفضل والخيرية، والمناقب السَنِيَّة العلية، والزكاءِ ووفرة العلم، وانظر ما كان عليه من خُلق رفيعٍ وتواضعٍ وأدبٍ جمّ، حتى قال مقولته تلكَ وهو بقدْرِ نفسه وعلو مكانته وسعة عِلمه أعلم! واقرن حاله بذلك المغرور وأقواله وانتفاخاته تلكَ جالبةِ الغم!! نسأل الله العافية والسلامة.

وليس الفاروق رضي الله عنه ببدع من حال الصحابة رضوان الله عليهم، الذين هم أعلم الناس بشرع الله ودينه، وكذلك بعدهم التابعون ثم تابعوهم، ثم أئمة الإسلام هداة الأنام، على مرِّ العصور، وكرِّ الدهور، أين من هؤلاء وأولئك من زعم أن تحريراته وتقريراته سالمة من كل جناية؟! أو جعل أمر الناس مع اجتهاداته دائرة بين قبولهم لها فهم مهتدون، وإن ردوها فهم ضُلال مبعدون؟! نعوذ بالله من الضلالة

(1) المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي للهيثمي (2/ 335) .

(2) (2/ 244) ، قلت: وقد ضعف الألباني رحمه الله هذا الحديث، وانُتقِد عليه تضعيفُه! والسند له ما يعضده، ودعوى النكارة غير مُسَلّمة، وقد رأيت

لأحد المعاصرين بحثًا في تضعيف الحديث لا أراه ناهضًا، والله أعلم.

(3) تخريج أحاديث الكشاف (1/ 297) .

(4) منهاج السنة النبوية (6/ 76 و 80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت