الصفحة 35 من 146

هذه أمثلة قليلة مما كان عليه حاله عليه الصلاة والسلام وهو المُطهر المعصوم، فكيف بي وبك يا عبدالله وهل يأمن على نفسه إلا شقيٌ مُبْعدٌ محروم!!

وانظر بعدُ في حال الصحابة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، كيف كان حالهم وخوفهم من ربهم، ما قال أحد منهم: سبق لي من ربي التوفيق والرشاد والهدى! بل بقوا خائفين وجلين من يوم الحساب غدا، حتى تمنى بعضهم أنه لم يخلق أبدا!! فاقرأ سيرهم لتعلم كم في قلبي وقلبك من ران وصدا!!

قال ابن القيم رحمه الله: (من تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جميعًا بين التقصير بل التفريط والأمن!! فهذا الصديق رضي الله عنه يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، ذكره أحمد عنه.

وذُكر عنه أيضًا أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان يبكي كثيرًا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا! وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل.

وأُتي بطائر فقلبه ثم قال: ما صيد من صيد، ولا قطعت شجرة من شجرة، إلا بما ضيعت من التسبيح!!

فلما احتضر، قال لعائشة: يا بنيَّة، إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة، وهذه الحلاب، وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب، وقال: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.

وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب.

وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه!!

وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي، إن لم يغفر لي (ثلاثًا) ثم قضى.

وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أيامًا يُعاد يحسبونه مريضًا، وكان في وجهه رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء.

وقال له ابن عباس، مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح وفعل، فقال: وددت أني أنجو لا أجر ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت