الصفحة 4 من 146

وليعلم القارئ الكريم، والناظر الفهيم، أنه متطاولًا غرته نفسه قد خرج يفري في عرض الشيخين أبي قتادة وأبي محمد في العام المنصرم، فأجابه الشيخ أبو محمد المقدسي فك الله أسره بكلمات يسيرات من رأس القلم، أطارت صوابه وصواب حكومته التي خرج يرقع لها! فما لبثوا أن تآمروا عليه ودبروا له المكائد، فكان ذلك من أسباب سجنه عجل الله له بالفرج، وأجبت ذلك المفتري حينها ذبًا عن الشيخ أبي قتادة بكتاب (الصوارم الباترة المشهورة في الذب عن رسالة معالم الطائفة المنصورة) ، وها هو المداد لم يكد يجف بعد، ولم تنقض سنة كاملة على ما أثاره ذلك المتراجع المقبور، حتى جاء أبو حيّة النميري يحمل سيفه الخشبي ليبعثر التراب عن سلفه المدحور، ويتخندق معه في نفس حفرة السقوط، فيا فرحة أعداء الله به وبصنيعه!!

وأبو حية شخصية حقيقية حكى أهل التراجم حالها، وقد كان شاعرًا فصيحًا مجيدًا، وهو مع هذا أهوج جبان كذاب، حتى قال عنه صاحب العقد الفريد: كان أشعر الناس وأجنّ الناس!

وكان له سيف يسميه: لعاب المنية، لا فرق بينه وبين الخشب، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: (وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا محمد بن سلام الجمحي، قال: كان لأبي حية سيف يسميه لعاب المنية، لا فرق بينه وبين الخشبة، وكان أجبن الناس، فحدثني جار له قال:

دخل بيته ليلة كلب، فسمع حسّه فظنه لصًا، فأشرفت عليه وقد انتضى سيفه لعاب المنية، وهو يقول: أيها المغتر بنا والمجترئ علينا، بئس واللَّه ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، أخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، يقول هذا كله وهو واقف في وسط الدار، فبينما هو كذلك إذ خرج الكلب فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبًا وكفانا حربًا [1] .

ومن سماتِ أبي حية أيضًا مع ما سبق من إطلاق الدعاوى الجوفاء، الخالية من كلِّ حقيقة، أنه إذا جُوبِه بالحقيقة وافتُضِح كذبه، رمى بالنقيصة والسوء على المُقابِل، ولم يرعوِ عن غيِّه وزعمهِ الباطل، قال الحافظ:

(وقال أبو محمد بن قتيبة: كان أبو حية النميري من أكذب الناس، فحدّث يومًا أنه يخرج إلى الصحراء فيدعو الغربان فتقع حوله فيأخذ منها ما شاء! فقيل له يا أبا حية، أرأيت إن أخرجناك إلى الصحراء يومًا

(1) الإصابة (7/ 86) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت